وقوله: إنه أخذ ذلك، من جعلي الاتحاد مقابل التعدد، غاية في سوء الفهم، لأنّ الاتحاد إذا كان في مقابلة التعدد، لا يكون بمعنى الإفراد، بل يكون بمعنى الوِحدة، اتي لا تعدد فيعها، ولهذا لمَّا ذكر أهل علم الحساب العدد، جعلوا الواحد في مقابله، ولم يسمُّوه عددا، وأمَّا الاتحاد الذي بمعنى الإفراد، فإنه مقابله التثنية والجمع، وأنا لم أقابل المتحد في كلامي بالمثنى والمجموع، بل بالمتعدد، فعلم أنّ المراد بالمتحد ما أراده النحاة، وهو الكلمة الواحدة، لا الكلمتان، والكلمات، والكلمة الواحدة تصدق بالمثنى وبالمجموع، فقولك: جاء زيد وعمرو راكبَيْن، صاحب الحال متعدد، أي كلمتان، والحال متحد، أي كلمة واحدة، وهي مثناة، وقد اشتد عجبي من فهم عبد البر هذا الفهم، حتى عرفت سببه، وذلك أنه يظهر لي أنّ الذي أوقعه في ذلك قول الألفية:
والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد
فَرآى ابن مالك قابل التعدد بالمفرد، فظنّ أنّ التعدد يقابله الإفراد، وهو غلط كبير، ما فهم مقصد ابن مالك، فيحتاج عبد البر إلى أنْ يحبو على ركبتيه بين يدي واحد من تلامذتي، ويبحث عليه الألفية؛ ليفهمه مقصدها، وإنما ابن مالك قصد أنّ الحال يأتي متعددا، أي كلمتين فأكثر؛ لصاحب مفرد، أو مثنى، أو مجموع، مثاله للمفرد: جاء زيد راكبًا ضاحكا، وللمثنى: جاء الزيدان راكبَيْن ضاحكَيْن، وقس على ذلك، ويدخل في عبارته أيضا أن يكون الصاحب متعددا؛ بناء على أنّ قوله: وغير مفرد صادق به أيضا، كما هو شأن عبارات / المختصرات، من تحميلها كل ما يمكن دخوله فيها، ولو بوجه، وذلك لا 7 أ يستلزم أنه كلما ذكر المتعدد، كان مقابله الاتحاد، بمعنى الإفراد، وكيف وابن مالك لم يذكر في البيت الاتحاد؟ وهذا كله يصدِّق ما قلته أول الجواب من قصور الناس، وعدم توسعهم، وتحريهم، وإتقانهم، وإلاّ فلو اتسع نظرهم، ورأوا تنوع عبارات الأئمة في كتبهم؛ لصار لهم ملكة، يقتدرون بها على فهم مقاصدهم.
قول المعترض: ألا ترى إلى تمثيلهم لذلك، بقولهم: لقيت زيدا راكبَيْن، فإنه متعدد، من جهة أنّ صاحب الحال متعدد، وإنْ اتّحد لفظ الحالين ومعناهما، فليتأمل.
أقول: هذا الكلام أفسد من الفساد، كما يدركه كل مَن سمعه، وبسببه محوت اسم عبد البر من الطبقة التي كنتُ كتبتُ، ترجمتُهُ في الطبقة التي كتبت فيها ترجمة الشيخ شمس الدين الخطيب الوزيري [1] ، ظانا أنه في طبقته، فلمَّا رأيته تكلم هذا الكلام المهمل، عرفت حينئذ طبقته، وأنه لا إلمام له بالمعقولات أصلا، وأنّ حقه أنْ يُترجم في الطبقة التي
(1) شمس الدين: محمد بن إبراهيم الخطيب الوزيري، له المقدمة الوزيرية في النحو، وله مختصر (شرح المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) للغزالي، وقد توفي سنة 867، سبع وستين وثمانمائة. كشف الظنون 2/ 1805