فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 24

أقول: لا يقال هذا للقاصر، وأمَّا البارع الماهر فإنه يقول ذلك، على قدر مقامه، وشتَّان بين من هو جالس على شاطئ النهر، يمد يديه فيشرب، وبين مَن هو في صحراء، وهو عطشان، فأخذ المعاول يحفر بها، فهو في غاية الكد والنصب، ثم قد يحصل على المقصود، وقد يموت عطشًا، قبل أن يبلغ الماء.

قول / المعترض: فلذلك الشبه ... الخ، يقتضي أن المبتدأ يجوز تعدده مع 6 أ اتّحاد خبره، كما أنَّ صاحب الحال يكون متعددا، والحال متحدة، ولا أظن شيئا من الأمرين صحيحا.

أقول: هذا تكلم في العلم بالظن، [وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا] [1] ، ولا عِبرة بالظن البيّن خطؤه، لكنَّ المعترض بنى على فهمه الذي فهمه من الاتحاد، وهو مخطئ في ذلك الفهم، على ما سنبينه، ولا أستنكر منه هذا الفهم، فإنه غلط في فهم الاتحاد في العربية، كما غلط في أولياء الله، ونسبَهم إلى الاتحاد، والذي هو كفر، وهم بريئون منه، وكفَّر نقلة علم الأولياء كابن الفارض، وابن عربي، وهم من أكابر المخلصين، ورؤساء المؤمنين، وأساء الأدب على الغزالي في مسألة ليس في الإمكان [2] ، ونسبه إلى الفلسفة، أو الاعتزال، وهو حجة الإسلام، وإمام السُّنَّة، وما به في كل ذلك إلاّ الجهل بمقاصدهم، وسوالفهم، وما أدري ذلك إلاّ مقتا من الله له، ولأمثاله، حيث أقامهم في الإنكار على أوليائه ليرديهم، [وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ] [3] .

قول المعترض: لا يقال قول النحاة يجوز أنْ يكون الحال من الفاعل والمفعول معا، يؤخذ منه اتحاد الحال مع تعدد صاحبها؛ لأنَّا نقول: هو إنما جعل الاتحاد مقابل التعدد، فيكون مراده بالاتحاد الإفراد، لا الاتحاد من جهة اللفظ والمعنى، ولا كذلك النحاة، فإنّ مرادهم بالاتحاد الاتحاد من جهة اللفظ والمعنى، لا الإفراد.

أقول: بهذا ومثله سقط عبد البر عندي مع الساقطين، وما كنت أظن أنّ القصور بلغ به هذا، إلاّ أنْ يكون قصد بذلك العِناد والتعصب المحض، مع كونه عالما بالحق في ذلك، وذلك لأني عبّرتُ بالاتحاد، الذي عبَّر به النحاة، فادَّعى أنّ مرادي به غير مرادهم به، وما أدري من أين له ذلك، أطَّلع الغيب، أم أدرك ما في القلوب / بغير ريب؟ 6 ب وكيف أريد به غير ما أراده النحاة!! وأنا ناقل قواعدهم التي قرَّروها، ومخرِّج عليها، أفيظن أحد أني أنقل كلام أهل الفن؛ مستشهدا به، ثم أريد به معنى غير المعنى الذي أرادوه!!

(1) النجم 28

(2) يعني قول: ليس في الإمكان أفضل مما كان.

(3) الحج 18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت