فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 24

أحدهما، فأين النقض حينئذ؟ وقد رأينا خلقًا يقرؤون هذه الكتب، وأكثر منها وأجل على المشايخ، ولو سُئلوا عن مسألة في هذه الكتب، التي قرؤوها خبطوا فيها، ولم يتقنوها، والمعترض أعظم شاهد بذلك، فكيف يستنكر ما ذكرته، ومما يرى؟ لكون الأمر مرتبا على القراءة العارية عن الإتقان.

قولي بعد ذلك: إنّ العارف منهم يعرف مسائل في العربية، ولا يعرف القواعد ... الخ، فهذا صريح في أنّ المراد بمن قرأ أولا، مَن قرأ ولم يفهم، ومن فهم بعض الفهم، ولم يتقن، وكل من القسمين لا يُسمى مُشاركا.

الوجه الثاني: أنّ العلماء قسموا الناس إلى مبتدئ، ومتوسط، ومنتهي، والذي ذكره المعترض في من قرأ الأجرومية وفهمها، هو حد المبتدئ، وأمَّا المشاركة فحد المتوسط، الذي يشارك المنتهي، ويجاريه في غالب مسائل الفن، فعُلم أنّ ما قال المعترض فيه أنه الصواب، غير صواب، ونظير عبارتي هذه عبارة وقعت للشيخ تاج الدين السبكي [1] في حدّ المحدِّث، قال في كتابه معيد النعم: من الناس فرقة ادّعت الحديث، فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار للصغاني، فإنْ ترفعت إلى مصابيح البغوي، وظنّت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المُحدِّثين، وما ذلك إلاّ لجهلها بالحديث، فلو حفظ مَن ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضم إليهما مِن /المتون مثليهما، لم يكن 5 أ مُحدِّثا، ولا يصير محدِثا [حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ] [2] ، فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث على زعمها اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير، فإن ضمّت إليه كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، أو مختصره المسمى بالتقريب والتيسير للنووي، ونحو ذلك، وحينئذ يُنادى مَن انتهى إلى هذا المقام مُحدِّث المحدثين، ويجاري العصر، وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإنّ مَن ذكرناه لا يُعدُّ مُحدِّثا بهذا القدر، إنما المحدِّث مَن عرف الأسانيد، والعلل، وأسماء الرجال، والعالي، والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مُستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل،

(1) تاج الدين السبكي: 728 - 771 هـ = 1327 - 1369 م

عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي تمام، قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر بن قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن بن زين الدين بن ضياء الدين الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي، قاضي القضاة بدمشق. كان إمامًا عالمًا، بارعًا، فقيها، نحويًا، أصوليًا، مولده سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وسمع من القدسي وطبقته بمصر، ومن بنت الكيال، وابن تمام، والمزي، وأجاز له الحجار، وعني بالرواية، وسمع كثيرًا، وأخذ عن والده، والشيخ أثير الدين أبي حيان، وغيرهما، وسمع الحديث على الحافظ شمس الدين الذهبي وتخرج، وكان ذكيًا، صحيح الذهن وبرع في الفقه وغيره، وأفتى ودرس، وولي قضاء دمشق أربع مرات، وتولي خطابة الجامع الأموي بدمشق، وصنف عدة مصنفات من ذلك: مختصر ابن الحاجب، وشرح منهاج البيضاوي، وجمع الجوامع في الأصول، والتوشيح في الفقه، وطبقات الشافعية في ثلاث مصنفات: كبرى ووسطى وصغرى، وكتاب الأشباه والنظائر، وغير ذلك، وكان له نظم ونثر وإنشاء، توفي بالدهشة ظاهر دمشق في يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون عن أربع وأربعين سنة. المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ـ ابن تغري بردي 2/ 152 ـ 153

(2) الأعراف 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت