والجواب: إنّ ما ذكره القاضي عياض من عدم الإجماع على نبوته، ولم تثبت الأخبار بالنص على نبوته مُسلَّم لا نزاع فيه، وكذلك ما يُفهمه كلامه من أنّ النبوة إنما نتحققها بنص الكتاب، أو بالخبر المتواتر والمشهور المتفق عليه بالإجماع، بكلام صحيح في غاية التحقيق، فإنّ تحقيق النبوة لا يكون بالقياس، ولا بخبر ضعيف، ولذلك وقع الخلاف في نبوة الخضر، فإنه لم يرد نصّ صريح بنبوته، ليس فيه احتمال، ولا تأويل، وقد قدّمنا ما استُدل به على نبوته /26 أ وما فيه من وجوه الكلام على حسب الاختصار، وقد نقل الثعلبي في تفسيره أنه نبي على جميع الأقوال، وهذا ليس بمُسلّمٍ له لما تقرر من الخلاف فيه، وعلى كل حال، فالمسألة ذات قولين مشهورين أظهرهما عند كثير من العلماء الراسخين القول بنبوته، ولهم أدلة غير ما ذكرنا.
وثانيهما: وبه قال الأكثرون من المحققين أنه وليٌّ، ولهم أدلة مقررة مشهورة في الكتب، يطول هذا المكان بإيرادها، ولأصحاب القول الأول فيها مباحث أضربنا عن الكلام فيها لِما في ذلك من عدم تحقيق الواقع في نفس الأمر، مما لم يوضحه لنا صاحب شرعنا عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا اتضح لنا بدليل قطعي سالم من التأويل، بل الذي قدمناه من الكلام وغيره مما لم نذكره، إنما هو بحسب الاجتهاد والاستنباط، وحقيقة عِلم ذلك عند الله تعالى، ولنذكر هاهنا خاتمة في ذكر بعض أدلة الفريقين القائلين بحياته أو موته، ونرجح ما يظهر لنا بتأييد الله وتوفيقه، متجنبين في / ذلك الهوى والحمية، مطَّرحين 26 ب رداء العصبية؛ معتمدين على رب العالمين، وأرحم الراحمين.
واعلم أنّ القائلين بحياته استدلوا بأدلة كثيرة، منها حديث تعزيته لأهل البيت، وقد قدّمنا الكلام عليه من جهة إسناده، وأنه ضعيف، ومنها حديث اجتماعه بالنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقد قدمنا الكلام عليه، وبيّنا ما فيه من طرقه التي ذكرناها، ولهم أدلة أخرى غير ذلك من كلام المشايخ، وأهل الصلاح ممن أخبر بلُقياه واجتماعه به، فمن ذلك ما روى ابن شاهين في كتاب الجنائز له، قال: حدثنا ابن أبي داود، أخبرنا عمرو بن محمد بن الصرح، حدثنا ابن وهب عمن حدثه عن محمد بن عجلان، عن محمد بن المنكدر، قال: