أحدها: قوله تعالى: [آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا] [1] والرحمة هي النبوة بدليل قوله تعالى: [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ] [2] ، وقال: [وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ] [3] والمراد من هذه الرحمة النبوة.
ثانيها: قوله تعالى: [وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا] [4] وهذا يقتضي أنه علّمه تعالى لا بواسطة تعليم مُعلم، ولا إرشاد مُرشِد، وكل مَن علّمه الله شيئا، لا بواسطة البشر، وجب أن يكون نبيا، يعلم الأمور بالوحي من الله، وهذا فيه نظر؛ لأنّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من / عند الله، وذلك لا يدل على النبوة. 24 ب
ثالثها: قول موسى عليه السلام: [هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا] [5] والنبي لا يتبع غير النبي في التعلّم، وهذا فيه نظر، لأنّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي صار باعتبارها نبيا، أمَّا غير تلك العلوم فله، قاله الإمام فخر الدين.
قلنا: ومِن وجه آخر، وهو أنه لو لم يكن نبيا معصوما، لم يكن لموسى وهو نبي عظيم، رسول كريم، واجب العصمة، كبير رغبة، ولا عظيم طلبة في علم غير واجب العصمة، ولمَّا عزم على الذهاب إليه، ولا التفتيش عليه، ولا أقام في طلب ذلك حقبا من الزمن، قيل: هو ثمانون سنة، ثم لمَّا اجتمع به، تواضع له وعظَّمه، واتّبعه في صورة مستفيد منه، فدلّ ذلك على أنه نبي، يُوحَى إليه، كما يُوحى لموسى، وقد خصّ من العلوم اللدنية، والأسرار النبوية، بما لم يطَّلع عليه موسى، وقد أشار إلى هذا الرماني في تفسيره.
رابعها: إنه أظهر الترفع على موسى، حيث قال له: [وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا] [6] ، وموسى أظهر له التواضع، حيث قال: [لَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا] [7] وهذا يدل على أنّ ذلك العالِم كان فوق موسى، ومَن لا يكون نبيا لا يكون أرفع
(1) الكهف 65
(2) الزخرف 32
(3) القصص 86
(4) الكهف 65
(5) الكهف 66
(6) الكهف 68
(7) الكهف 69