أمَّا الإمام البغوي فإنه قال في تفسيره، واختلفوا في أنّ الخضر عليه السلام حيّ أم ميت؟ قيل إنّ الخضر وإلياس حيان يلتقيا كل سنة بالموسم، وذكر سبب حياته على أحد الأقوال، ثم قال: وذهب آخرون إلى أنه ميت، لقوله تعالى: [وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ] [1] .
/ وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما صَلَّى الْعِشَاءَ ليلةً: ... 7 أ
(أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ , فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ) [2] .
ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده , انتهى.
فإذا تأملت كلام هؤلاء لم تجد أحدا منهم صرّح بالدليل الذي أشرتم إليه، لكنهم قلّدوا في ذلك من قبلهم من الأئمة , وتقوّى عندهم ترجيحه بقرائن ودلائل، ومثل هذا الأمر يكفي فيه أقل دليل صحيح , مع أنّ القائلين بهذا القول المنتصرين له ذكروا أشياء كثيرة تدل على صحته، فلنذكر منها ما يسره الله تعالى عند الفراغ مما أشرتم إليه مما يتعلق بدليل ذلك , وملخص كلام مَن ذكر هنا من هؤلاء الأئمة خلا البغوي ترجيح القول بحياته , وإن كان كلامكم يقتضي أنّ البغوي وافقهم على ذلك , فليس في كلامه كما ترى، ترجيح واحد من القولين، بل لو قيل إنّ كلامه يقتضي ترجيح القول بوفاته , لما كا بعيدا؛ لأنه استدل له بالكتاب والسنة فتأمله، وأمَّا إثبات ولايته كما أشرتم إليه عند من يقول بها منهم , فالنووي ظاهر كلامه ترجيح القول بولايته؛ تبعا لابن عبد السلام؛ لأنه نقله عن القشيري وكثيرين , ونقل عن المازري ما يقتضي أنّ الأكثرين قالوا به / وقد يقال ليس في ذلك دليل على الترجيح؛ لأنه ربما 7 ب خالف الأكثرين في مواضع من الفروع وغيرها , ونصّ على ترجيح القول بخلافهم في مواضع كثيرة؛ لقوة الدليل عنده , أو لوجود نص ونحوه , كما هو معلوم في كتب الفقه , وقد تقدم عن الثعلبي أنه نبي على جميع الأقوال, ولم يتعقبه.
وأما ابن الصلاح فإنه جزم بنبوته كما تقدم في كلامه , وأما البغوي فإنه نقل ترجيح نبوته عن الأكثرين، وقد قال عند قوله تعالى: [وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا] [3]
(1) الأنبياء 34
(2) معجم الطبراني الكبير 10/ 421 / م
(3) الكهف 65