الإشكال في البيت الأول في موضعين ، أحدهما: قوله سفهت أمية رأيها ، بنصب الرأي ، وظاهره يقتضي أن يكون مرفوعًا بدلا من أمية ، أي رأي أميّة ، كقولك أعجبني زيد علمه ، أي علم زيد ، وجوابه أنه منصوب على أنه مفعول به ، كقوله تعالى: [إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ] [1] فتكون سفهت على هذا التقدير بمعنى سفه ذكره جماعة من العلماء المتقدمين ، ويجوز أن يكون منصوبا على التمييز ، على مذاهب الكوفيين ، فإنهم يجوزون أن يكون التمييز معرفة ، كقولك تصبب زيد عرقا / أي تصبب عرق زيد ، [ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ] [2] 5ب أي اشتعل شيب الرأس ، وعلى هذين الوجهين يخرج نصب قوله تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ] [3] في نصب المعيشة .
... الإشكال الثاني: سفهاؤها حلماؤها ، وظاهر الكلام يقتضي أن يكون الأول مرفوعا فاعلًا لاستجهلت ، والثاني منصوب على أنه مفعول به ، وجوابه أنّ قوله: استجهلت ، كلام تام ، فيه ضمير يعود على أمية ، وقوله سفهاؤها حلماؤها مبتدأ وخبر ، أي سفهاء الحرب حلماؤها .
... وأمَّا الثاني فالإشكال فيه في موضع واحد ، وهو قوله: كفرت آباؤها أبناؤها ، برفعهما ، وظاهر الكلام يقتضي رفع الأول ، ونصب الثاني ، على ما تقدم في البيت الأول ، وجوابه أنّ قوله: قد كفرت ، كلام تام ، ومعناه قد لبست أميّة السلاح ، وهو التغطية ، وقوله: آباؤها أبناؤها مبتدأ وخبر ، ومن ذلك قول الشاعر ، وأنشده بعض المتأخرين:
كساني أبي عثمان ثوبان للوغى ... ... وهل ينفع الثوب الرقيق لدى الحرب
الإشكال فيه في موضعين ، أحدهما: أب عثمان ، بالجر ، وظاهر الكلام يقتضي أن يكون مرفوعا ، فاعلا لكساني ، وجوابه أنّ قوله كساني ، الكاف للتشبيه ، أي مثل ساني ، والساني المستقي ، من قولهم سنا ، يسنو ، إذا استقى ، وأبي عثمان على هذا مجرور بإضافة ساني إليه .
(1) البقرة 130
(2) مريم 4
(3) القصص 58