وأمَّا حقيقته اصطلاحا: فمعنى قائم بالنفس، وهو نوع من أنواع الكلام النفسي، وله صيغ تخصّه في الإيجاب (افْعَل) ، وفي النهي (لا تفعَل) ، وقد اجتمعا في قوله تعالى: [رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا] الآية [1] .
وقال الخطابي: حقيقة الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته: إظهارالافتقار إليه، والبراءة من الحول والقوة التي له، وهو بِسِمة العبودية، وبإظهار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله، وإضافة الجود والكرامة إليه.
الفصل الثاني: في أنه مطلوب شرعا/ والرد على مَن قال لا فائدة فيه 4 أ مع سبق القدر.
قال تعالى: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ] [2] ، [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] [3] ، و [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً] [4] ، [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ] [5] ، [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] [6] ، [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ] [7] .
وفي الآية الأولى لطائف منها:
أنه جرت عادة القرآن حيث ورد لفظ السؤال، جاء عقبه قل، كقوله تعالى: [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى] [8] ، [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ] [9] ، وتُرك في هذا الموضع لفظ (قُل) ؛ للإشارة إلى رفع الواسطة بين العبد والرب في مقام الدعاء، وفيه إشعار بالاستجابة الشريفة.
ثانيها: إضافة العبد بياء التشريف، يدل على أنّ العبد له، وقوله: [فَإِنِّي قَرِيبٌ] يدلّ على أنّ الربَّ للعبد.
(1) لبقرة 286، والآية بتمامها: [لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] .
(2) البقرة 186
(3) غافر 60
(4) الأعراف 55
(5) الفرقان 77
(6) النساء 32
(7) الأنفال 9
(8) البقرة 222
(9) الأنفال 1