لطيفة:
لمَّا كان المُخّ في أعضاء الحيوان هو المغذّي لها، والمقوِّم لاستدامة بقائها، يعمل هذا العمل، ووجه تخصيصه بذلك من دون سائر العبادات اشتماله على حضور قلبي، لا يوجد في غيره، فإنّ مَن تعبّد بالصلاة، أو الصوم، أو الحج وغيرها يغلب عليه فيها الغفلة، فإذا دعا استدعى ذلك منه مزيد حضور في قلبه، ذلك الحضور هو روح العبادة، فلذلك جاء التخصيص، ويؤخذ منه تفضيل الداعي على العابد، وذلك لِما فيه مع الحضور من التذلل، وإظهار الفاقة، وذل العبودية، وعز الربوبية، فكل داعٍ عابد، ولا ينعكس، والدعاء دأب الأنبياء عليهم السلام، ومُعزّيهم في الشدائد على ما أخبر تعالى في سورة الأنبياء وغيرها بقوله: [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا] [1] فنبّه على علّّة الإجابة لدعائهم، وأنها ثواب لهم بطاعتهم، وتعجيلها جزاء لمُسارعتهم إلى ما كُلِّفوا به، وفي ذلك حثٌّ على الطاعة، وقد تكلّم العلماء على/أحكامه كالحليمي [2] ، والغزالي، ومنهم مَن أفرده كالطرطوشي [3] ، 3 أ والقرافي وقد وقعت لي مُهمات وتكْمِلات، فاستخرت الله في جمع ذلك في كتاب يُسهِّل مقاصده، ويُحرِّر معاقده، ورتبته على عشرة فصول:
الأول ...: في حقيقته.
الثاني: في مطلوبيته.
الثالث: في أفضليته.
الرابع: في شروطه.
الخامس: في آدابه.
(1) الأنبياء 90
(2) الحليمي (338 - 403 هـ) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، أبو عبد الله: فقيه شافعي، قاض. كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر. مولده بجرجان ووفاته في بخارى. له المنهاج في شعب الايمان، ثلاثة أجزاء، قال الاسنوي: جمع فيه أحكاما كثيرة ومعاني غريبة لم أظفر بكثير منها في غيره. الأعلام، للزركلي 2/ 235/ م.
(3) الطرطوشي (452 ـ 520 هـ) : أبوبكر، محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري بن رندقة الأندلسي الطرطوشي. يعرف بابن رندقة، أو بابن أبي وندقة. قال ابن خلكان:"رندقة بفتح الراء وسكون النون وفتح الدال المهملة والقاف، وهي لفظة فرنجية، سألت بعض الإفرنج عنها فقال معناه:"تعال".وُلد في شوال سنة 452 هـ. من تصانيفه: الحوادث والبدع، ورسالة في تحريم الجبن الرومي والغناء والسماع، والدعاء المأثور وآدابه، وغيرها. وفيات الأعيان 4/ 262 ـ 265"