ثم بذكر الله سادسا، وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، ثم بتعظيم الله بنسبتهم إليه سابعا، ثم بإظهار المودة لهم ثامنا، ولم يسأل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمته إلاّ المودة في القربى [1] ، ثم الابتهال والتضرع في الدعاء تاسعا، والدعاء مخ العبادة [2] ، ثم بالاعتراف عاشرا أنّ الأمر كله لله، وأنّ النبي وإن جلّ قدره فهو يحتاج إلى رحمة الله، وهذه عشر حسنات سوى ما ورد الشرع به من أنّ الحسنة الواحدة بعشر أمثالها، وأنّ السيئة بمثلها فقط، وسِره أنّ الجوهر الإنساني حنَّان إلى ذلك العالم العلوي، لأنه مُعَشّر منه، وهبوطه إلى العالم الجسماني غريب / في طبعه، والسيئة تبطّئه عن الرقي إلى ذلك العالم على خلاف طبعه، والحسنة تُرقِّيه إلى موافقة الطبع، والقوة التي تحرك الحجر إلى فوق، هي نفسها إنْ استعملت في تحريكه إلى أسفل، تحرك عشرة أذرع وزيادة، فلهذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، انتهى.
الثامن: الصلاة عليه في وسط الدعاء وآخره؛ لأنّه الذي علمنا الدعاء بأركانه وآدابه، فنقضي بعض حقه عند الدعاء اعتدادا بالنعمة، قاله الحليمي.
وقال الغزالي عن أبي سليمان الداراني [3] : إنما استُجيب أول الدعاء وآخره لأنها لا تُرد، والكريم لا يُناسبه أنْ يقبل الطرفين، ويردّ الوسط، واستشكل ذلك بعض مشايخنا بأنّ قولنا اللهم صل على محمد دعاء، والدعاء متوقف على القبول، وفيه نظر، وقد أخرج الطبراني في معجمه، والبزار في مسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أبيه، عن جابر قََالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ، إِنَّ الرَّاكِبِ يملأُ قدَحَه فإِذَا فَرَغ وعَلَّقَ تَعَالِيقَهُ، فإذا كانَ
(1) إشارة إلى الآية 23 من سورة الشورى: [ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ] .
(2) سبق فيما تقدم.
(3) هو: عبدُ الرحمن بنُ عطيةَ؛ و يقال: عبدُ الرحمن ابن أحمدَ بنِ عطية. و هو من أهل دَارَيَّا، قرية من قرى دِمَشْق. و هو عَنْسِي؛ مسند للحديث، له ذكر في طبقات الصوفية، مات أبو سليمانَ سنة خمس عشرة و مائتين.