الصفحة 29 من 45

و قال أبو الدرداء: ارفعوا هذه الأيدي قبل أنْ تُغلّ بالأغلال، رواه الفريابي.

وأمَّا ما ذكره السهيلي في الروض عن ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ رَأَى قَوْمًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الدّعَاءِ فَقَالَ أَوَقَدْ رَفَعُوهَا؟ / قَطَعَهَا اللّهُ وَاَللّهِ لَوْ كَانُوا بِأَعْلَى 18 أ شَاهِقٍ مَا ازْدَادُوا مِنْ اللّهِ بِذَلِكَ قُرْبًا [1] ، فقال الحافظ شمس الدين الذهبي: الصحيح عن ابن عمر خلاف هذا، قال يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم، قال: رأيت ابن عمر رافعا يديه إلى منكبيه يدعو عند المقام، وإسناده كالشمس، انتهى.

فإن قيل: إذا كان الحق سبحانه ليس في جهة، فما معنى رفع الأيدي بالدعاء نحو السماء؟

فالجواب من وجهين، ذكرهما الطرطوشي:

أحدهما: أنه محل تعبّد كاستقبال القبلة في الصلاة، وإلصاق الجبهة بالأرض في السجود مع تنزهه سبحانه عن محل البيت، ومحل السجود، فكان السماء قبلة الدعاء.

وثانيهما: أنه لما كانت مهبط الرزق، والوحي، وموضع الرحمة والبركة، على معنى أنّ المطر ينزل منها إلى الأرض، فيُخرِج نباتها، وهي مسكن الملأ الأعلى، وإذا قضى الله أمرا ألقاه إليهم، فيُلقونه إلى أهل الأرض، وكذلك الأعمال تُرفع إليها، وفيها غير واحد من الأنبياء، وفيها الجنة التي هي غاية الأماني / فلمَّا كانت معدِنا لهذه الأمور العِظام، ومعرفة القضاء 18 ب ... والقدر، انصرفت الهمم إليها، وتوفّرت الدواعي عليها.

قال: وقد أجاب القاضي ابن قُريعة [2] لمَّا صلّى ذات ليلة في دار الوزير المهلبي، وأبو إسحاق الصابئ يرمقه، فأحسّ به القاضي، فلمَّا سلّم قال له: مالك ترمقني يا أخا الصابئة؟ أجبت إلى الشريعة الصافية؟ قال: بل أخذت عليك

(1) الروض الأنف 4/ 224 / م.

(2) القاضي أبو بكر، محمد بن عبد الرحمن البغدادي الظريف قاضي السندية. كان مزاحا خفيف الروح، أديبا فاضلا، ذكيا، سريع الجواب. أخذ عن أبي بكر بن الأنباري، وغيره. وقريعة: بقاف، قيده ابن ماكولا. وكان ملازما للوزير المهلبي في مجالس اللهو. وله أجوبة بليغة مسكتة. كان الوزير يغري به الرؤساء فيباسطونه. كتب له رئيس: ما يقول القاضي في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ابنا جسمه للبشر ووجهه للبقر؟ فأجاب: هذا من أعدل الشهود على الخبثاء اليهود، أشربوا العجل في صدورهم حتى خرج من أيورهم فلينط برأس اليهودي رأس العجل، ويصلب على عنق النصرانية الرأس والرجل، ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما: ظلمات بعضها فوق بعض. مات سنة سبع وستين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 16/ 326.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت