أفضل منه، والحق أنّ الاختيار باختلاف الأحوال والدواعي، فإنْ خفّت الحاجة بالتضرع بالسؤال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء وغيره، وكان الخلاف في الاستكثار، أمَّا المواضع التي نصّ الشارع فيها على الدعاء، فهو أفضل من الذكر فيها قطعا، وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم على الذكر / والثناء دعاء، فقال: دعاء الكرب: لَا 11 أ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ [1] .
قال محمد بن جرير: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمُّونه بدعاء الفرج.
ويحتمل أنه سماه دعاء بمعنى أنه يُستفتح به الدعاء، ثم يدعو، وهذا جاء في رواية: ثم يدعو، وإمَّأ لأنّ الثناء دعاء، كما قال الشاعر [2] :
إِذا أَثنى عَلَيكَ المَرءُ يَومًا ... كَفاهُ مِن تَعَرُّضِهِ الثَناءُ
واعلم أنّ الذكر إمَّا أن يكون باللسان، أو بالقلب، أو بالجوارح، والذكر باللسان هو الألفاظ الدالة على التحميد والتمجيد والتسبيح، والذكر بالقلب التفكُّر في دلائل الذات والصفات، ودلائل التكاليف، وأسرار مخلوقات الله، والذكر بالجوارح أن تصير الجوارح مستغرقة في الطاعات، قال تعالى: [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] [3] ، وجسدك بهذا الجزاء، وقال: [فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ] [4] ، ولم يقل أبناءكم؛ لأنّ ذكر الإنسان أباه إنما يكون بالتعظيم، وذكر ابنه بالشفقة، واللائق بحضرة الله التعظيم، وفيه إشارة لاستحضار الوحدانية؛ لأنّ الابن لو انتسب إلى غير أبيه لاستنكف.
ومن فوائد الذكر إزالة الظلمة عن القلب، كما قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ / 11 ب اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ] [5] ، والإعراض عن
(1) انظر مسند أحمد 2/ 109/ م، ونصه: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ بِي كَرْبٌ أَنْ أَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(2) البيت من الوافر، لأمية بن أبي الصلت / الموسوعة الشعرية.
(3) البقرة 152
(4) البقرة 200
(5) الأعراف 201