الصفحة 18 من 45

يصوغ لأحد أن يقول: اللهم اغنني بك عن السؤال منك، نعم، يمكن أن يُريد أن يُغنيه الله باختياره عن اختياره لنفسه، فإنّ اختيار الله للعبد كامل، واختيار العبد لنفسه معلول بوجود علة الإدناس، بما خرج عن السؤال، وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: أو تصبرون، فهو سؤال كشف وتعليم، فأوحى الله إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت، وأخَّر الدعاء، ويُحتمل أنه رأى بهم جَزَعا، وقلة صبر، فأمرهم به.

واختلفوا أيضا في أنه، هل الأفضل الاشتغال بالدعاء، أو بالذكر؟ فذهب جماعة إلى أنّ الذكر أفضل، وإنْ كان قضاء الحاجة من الدعاء بها، وحكاه الطرطوشي عن سفيان بن عُيينة، قال: واختاره الفقيه أبو نصر بن الصباغ الشافعي، واحتجوا عليه بحديث: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين [1] .

وقد اختُلف في معنى هذا الحديث، فقيل: أراد أنّ ذكره لي هو الذي أُعطيه، كما قال تعالى: / [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] [2] ، فلمَّا كان ذكر الله أفضل 10 ب منطوق، فإنّ الذكر أفضل موهوب، كان ثوابه أفضل، ويحتمل أعطيته مجالستي؛ لأنّ الله تعالى جليس مَن ذكره.

قال الطرطوشي: وفي قول يونس: [لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ] [3] دلالة على أنّ التهليل، والإقرار بالذنب دعاء فيجب كون الثناء أفضل من الدعاء؛ لتضمنه الأمرين، وقوله صلى الله عليه وسلم: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمُ عَرَفَةَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [4] .

وقال بعض الأئمة: لا حجة في حديث: مَن شغله ذكري عن مسألتي؛ لأنّ المراد به المستغرق في الذكر، المتلذذ به، لا لأنّ غفل الذاكر الذكر وسيلة في بلوغ المقاصد المنافية للذكر، فإنّ مَن جعل الذكر وسيلة لذلك، كان السائل

(1) حلية الأولياء 7/ 313/ م.

(2) البقرة 152

(3) الأنبياء 87، 88

(4) السنن الصغرى للبيهقي 2/ 3/ م، ونصه: عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت