الصفحة 16 من 45

الرزق مع التسبب إليه بالتكسُّب، وفي العمر والأجل، والتسبب إليه بالطب والعلاج، وفي هذا لطف عظيم بالعباد، فإنه / سبحانه يملك طباعهم 9 أ البشرية، فوضع هذه الأسباب ليأنسوا بها، فتخفف عنهم ثقل الامتحان الذي يُفسدهم، وليتصرفوا بذلك بين الخوف والرجاء؛ ليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر.

الفصل الثالث: في أنه هل الأفضل الدعاء أوالسكوت والرضا؟

وقد اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة: السكوت أفضل، والجمود تحت جريان الحكم أتم، وسئل الواسطي [1] أنْ يدعو، فقال: أخشى إنْ دعوت أنْ يُقال لي: إنْ سألتنا ما لك، فقد اتهمتنا، وإنْ سألتنا ما ليس لك عندنا، فقد أسأت إلينا، وإنْ رضيت أجرينا لك من الأمور ما قضينا لك في الدهور.

وحكى الطرطوشي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: ما دعوت الله منذ خمسين سنة، ولا أريد أن يدعوَ لي أحد.

واحتج القائلون بهذا المذهب بأنّ امرأة بها لَمَم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها الله عز وجل، فقال: أو تصبرين وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ [2] .

وسأله الأنصار أن يدعو الله سبحانه أنْ يكشف الحُمّى عنهم، فقال: أوتصبرون فتكون لكم طهرا [3] .

(1) هو عماد الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسِطي الحزامي، ولد في شرق واسط سنة 657 هـ، وكان أبوه شيخ الطريقة الأحمدية، غير أنه لم يسكن إلى شيء من الطرائق الْمُحْدَثَةِ، ثم إنه اجتمع بالإسكندرية بالطريقة الشاذلية، ثم قدم دمشق فرأى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تلخيص ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى عن جميع طرائقه وأذواقه وسلوكه واقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه واعتنى بأمر السنة أُصُولًا وفروعًا، وشَرَعَ في الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبين عوراتهم، وكشف أستارهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد واختصر (( الكافي ) )في مجلد سماه (( البلغة ) )، وألف تآليف كثيرة في الطريقة النبوية والسلوك الأثري المحمدي وهي من أنفع كتب الصوفية للمريدين، وانتفع به خلق كثير من متصوفة أهل الحديث ومتعبديهم )) قاله ابن رجب. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول عنه: هو جنيد وقته، وقد توفي بمشق سنة 711 هـ انظر: الدرر الكامنة 1/ 103، وشذرات الذهب 8/ 45.

(2) مسند أحمد 15/ 431، ونصه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لَمَمٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَنِي قَالَ إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكِ وَإِنْ شِئْتِ فَاصْبِرِي وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ قَالَتْ بَلْ أَصْبِرُ وَلَا حِسَابَ عَلَيَّ.

(3) جاء في مسند أحمد 22/ 287: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ اسْتَأْذَنَتْ الْحُمَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَتْ أُمُّ مِلْدَمٍ قَالَ فَأَمَرَ بِهَا إِلَى أَهْلِ قُبَاءَ فَلَقُوا مِنْهَا مَا يَعْلَمُ اللَّهُ فَأَتَوْهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَقَالَ مَا شِئْتُمْ إِنْ شِئْتُمْ أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ لَكُمْ فَيَكْشِفَهَا عَنْكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُورًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَفْعَلُ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَدَعْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت