وأخرج الحاكم أيضا من حديث عائشة مرفوعا: لا يغني حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل و إن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. قال الحاكم: صحيح الإسناد [1] .
وهذا لا يُنافي الحديث السابق في الجواب الأول؛ لأنّ معنى الذي قبله أنّ الرقى والدواء لا يستقل برد القضاء، لكن الله تعالى إذا أراد ردّ قضائه بحسب سابق علمه قدّر التسبب إلى استعمال الرقى والأدوية، فكان هو في الحقيقة / القاضي والرادّ، وقد صحّت السنّة بمشروعية التداوي والاسترقاء، 7 ب ومعنى الثاني نفي استقلال الدواء كما سبق، وكذلك الدعاء والرقى في الحقيقة لا يستقلان بشيء، بل هما من قدر الله، وقد روى جعفر الفريابي في كتابه فضل الذكر عن علي رضي الله عنه أنه قال: الدعاء يدفعُ الأمر المُبرم، وعن ابن عباس الدعاء يدفع القدر، وقال: إنّ الأمر ليُقضى فيرده الدعاء بعدما قُضي، ثم قرأ [فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا] الآية [2] ، وهو مؤوّل على ما سبق.
الثالث: إنّ في الدعاء فوائد غير ما سبق، منها: حضور القلب، وجذبه إلى الله بالتضرع والاستكانة، وإظهار العبودية، والإقرار بالفقر والحاجة، والاعتراف بالربوبية، وذلك من أعظم العبادة، ثم هو قد يكون شرطا لوجود المصلحة.
ومنها أنّ الله سبحانه وتعالى يُثيبُ على الدعاء، وإنْ لم تقع الإجابة؛ لأنه عبادة، وي الحديث: الدعاء مخّ العبادة.
ومنها أنّ الدعاء إشغال المرء بذكر الحق سبحانه، وذلك يوجب مقام الهيبة في القلوب، والإنابة في الطاعة، والانقطاع / عن المعاصي، ولزوم الباب 8 أ يستدعي الإذن في الدخول، ولهذا قيل: مَن أدمن قرع الباب ولج، وكان يُقال: الإذن في الدعاء خير من العطاء، وقيل لبعضهم: ادعُ الله لي، فقال: كفاك الله من الأجنبية أنْ يجعل بينك وبينه واسطة، وأصل شقاوة أهل النار في النار حيث قالوا فيما حكاه الله عنهم:[وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ
(1) المستدرك 1/ 669 / م
(2) يونس 98، والآية بتمامها: [فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ] .