في شهداء أُحُد: جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ [1] خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ.
وروى الإمام أحمد أيضا، وعبد بن حميد في مسنديهما / والطبراني بسند 3 ب حسن عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ غُدوةً وعَشيَّةَ [2] .
وروى ابن أبي حاتم، والبيهقي في شُعَب الإيمان عن أبي العالية في قوله تعالى: [وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ] [3] قال: يقول: هُمْ أَحْيَاءٌ فِي صُدُورِ طَيْرٍ خُضْرٍ، يَطِيرُونَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَيَأْكُلُونَ مِنْ حَيْثِ شَاءُوا [4] .
والراجح أن حياة الشهداء بالجسد، لا بالروح فقط، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور من الحيِّ، وأعظم دليل على ذلك أنّ حياة الروح ثابتة لجميع الأموات، المؤمن والكافر بالإجماع، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستوى هو وغيره، ولم يحصل له تمييز على غيره، ولم يكن لقوله تعالى: [وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ] معنى، لعلم المؤمنين بأسرهم بحياة الأرواح، ومعنى قوله تعالى: [وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ] أي بحياتهم بأجسادهم؛ لكون ذلك من المُغيَّب عنكم، وكذا قال ابن جرير في تفسيره، [وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ] أي لا ترونهم، فتعلموا أنهم أحياء، انتهى.
وظاهره أنّ رزق / الشهداء بالأكل والشرب في البرزخ ليس للاحتياج، بل 4 أ للإكرام والتنعم، قال الشيخ تقي الدين السبكي: حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا، وشهد له صلاة موسى عليه الصلاة والسلام في قبره، فإنّ الصلاة تستدعي جسدا حيَّا، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات الأجسام، ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب، وأمَّا الإدراكات كالعِلم والسماع، فلا شكّ أنّ ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى، انتهى.
(1) كتب: طيور، وما أثبتناه من مسند أحمد /218 / قرص المكتبة الشاملة، وسنرمز له فيما يأتي بالرمز (م)
(2) الحديث في مسند أحمد 4/ 220 / م: الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
(3) البقرة 3154
(4) تفسير ابن أبي حاتم / سورة البقرة / 1/ 393 / م