وكان المبرد البصري (ت: 285 هـ) ، وثعلب الكوفي (ت: 291 هـ) آخر الشيوخ الذين يُمثِّلون سِمات المذهبين، اللذين ظلّ كلّ منهما منفصلا عن الآخر، سائرا في طريقه، متميِّزا بمعالمه [1] .
وكان من تلاميذ هذين الشيخين مَن حرص على التنقل بين مجلسيهما، دونما حرج، وربما كان أحدهم لا يستطيع الانتظار؛ حتى يفرغ من مجلس المبرد أو ثعلب، وإنما كان يُغادر المجلس؛ حرصا على سماع ما يقوله الآخر [2] .
والمتتبع لسير الدراسات النحوية، يُلاحظ أنّ القرن الثالث الهجري، قد هدأت فيه النزعات المذهبية، التي كانت قائمة بين البصريين والكوفيين، وأنّ الدراسات النحوية في ذلك القرن، كان مفروغا من وضع أصولها.
وهكذا فترت حِدة التعصب المذهبي بين البصريين والكوفيين، بعد التقائهما في بغداد، وطغى على مناهجهم الأسلوب العلمي، البعيد عن التعصب، فخلطوا بين المذهبين، ولم يُفاضلوا بينهما في كثير من المواقف، وإنْ فضَّل بعضهم مذهبا على آخر.
لقد كان للمذهبين الكبيرين ـ البصري والكوفي ـ أثر كبير في تكوين عقلية النحاة المتأخرين، فما أنْ نصل إلى أوائل القرن الرابع الهجري؛ حتى نرى حِدّة التعصب قد فترت، أو كادت، وبذا نجد في بغداد مع بداية ذلك القرن ثلاث طوائف من النحات: طائفة هي امتداد للمذهب البصري، وأخرى هي امتداد للمذهب الكوفي، وطائفة بصرية كوفية، أو لا بصرية ولا كوفية، وهذه الطائفة الثالثة لا تشكل مذهبا قائما بذاته، لأنّ الانتخاب من آراء المذهبين كان واضحا جليا عند نحاتها، غير أنّ الميل إلى الاتجاه البصري كان هو الأظهر.
وظلّ الأمر على ما هو عليه إلى أوائل القرن السابع الهجري، ويمكن أنْ نقرر بسهولة ويسر أنّ المذاهب النحوية؛ حتى حصر أبي البقاء العكبري (538 ـ 616 هـ) ظلّت على ما هي عليه متمثلة في:
ـ أتباع المذهب البصري المتعصبين له.
ـ أتباع المذهب الكوفي المتعصبين له.
وبين هؤلاء وأولئك نحاة خلطوا بين المذهبين، ومنهم من غلب عليه الميل إلى المذهب البصري، ومنهم مَن غلب عليه الميل إلى المذهب الكوفي، وما المذاهب النحوية التي شاع ذكرها عند المتأخرين، كالمذهب البغدادي، والأندلسي، والمصري وغيرها إلاّ امتداد
(1) عبد الرحمن السيد، مدرسة البصرة النحوية، ص 528
(2) محمود حسني، المدرسة البغدادية، ص 113