والمطَّلِع على كتابي: التبيين، والإنصاف، يرى الكوفيين في كثير من المسائل يردُّون على البصريين، وليس في أيديهم من الأدلّة إلاّ القياس، وقياسهم الذي ساقه أبو القياس العكبري، وأبو البركات الأنباري، لا يقلّ عن قياس البصريين، بل ربما أخذ قياسهم شكلا من أشكال التفريع، والتعليل، واعتماد الأدلة العقلية، والاستدلالات المنطقية، فقد استدلُّوا بالتقسيم، وبالأوْلَى، بل أكثر من ذلك، قاسوا على الضد، كما هو الحال عند البصريين، وربما رَدّ الكوفيون قياس البصريين.
والذي نطمئن إليه، أنّ صورة المذهب الكوفي من خلال كتابي: التبيين والإنصاف، لا تختلف عن صورة المذهب البصري، وسواء صحّت أقيستهم، أم لم تصح، فالذي يجب أنْ يُعرَف أنّ المنهج الذي اتبعوه، فيه أساليب المنطق وطرائقه، مثلما في مذهب البصريين، ولكنّ عدد المواضع، التي يظهر فيها هذا الاتجاه في نحو الكوفة، أقلّ من المواضع التي يظهر فيها في نحو البصرة، كما أنّ تمسك الكوفيين بالأصول، أقلّ من تمسك البصريين بها.
ولا نُحب أنْ نُنهي الحديث في الخلاف بين المذهبين قبل أنْ نُقرِّر بأنه كان لكل إمام مذهب يُخالف فيه غيره، ولو من بعض الوجوه، وهذه الحقيقة تتضح عند الكوفيين أكثر من البصريين، فلم يكن أهل البصرة يُجمعون على شيء، وشيخهم على غيره، إلاّ في القليل، على حين كثر ذلك عند الكوفيين، فللفراء مذاهب يُخالف فيها الكسائي في غير ما موضع، وقد تفرّد عدد كبير من علماء الكوفة بمذاهب تكثر أو تقل، بمقدار ما اوتيه كل منهم من بسطة في العلم، وبراعة في الإبداع.
وخلاصة الرأي أنّ الكوفيين قدَّموا لنا نحوهم في لبوس من الدراسات الفقهية النقلية، وقدَّمه البصريون في ثوب الدراسات الفلسفية العقلية.
وهكذا ظلّ البصريون والكوفيون في صراع دائم، يُجيز هؤلاء شيئا، فيمنعه أولئك، والعكس صحيح، ويمكن أنْ نعرف رأي أحد المذهبين، إذا عرفنا رأي أصحاب المذهب الآخر، وكل مذهب يُمنِّي أصحابه أنفسهم بالفوز على منافسيهم، وربما تدخّلت السياسة في هذا الصراع فأفسدته.
وما أنْ أصبحت بغداد حاضرة الدولة العربية الإسلامية؛ حتى أخذ العلماء يفدون إليها، فوجد علماء البصرة والكوفة المجال رحبا فيها، فانتقلوا إليها، واحتدم الصراع ثانية بين الفريقين، وكان نتيجة هذا الصراع أنْ نشأت طائفة من النحاة تجمع بين المذهبين، وتختار منهما ما تراه صوابا، أو قريبا إلى وجهة تفكيرها.