القراءات، فوقفوا منها موقفا وسطا، ولكنّ هذا الموقف لا يُخرجهم عن دائرة المذهب البصري، ولا يُحملهم وزر رميها بالقبح أو الرداءة.
وأمَّا الموقف من الحديث النبوي الشريف، فإنّ موقف البصريين لا يختلف عن موقف الكوفيين في كثير أو قليل، وما نراه بالاحتجاج بالحديث في كتب النحاة، إنما هو من عمل المتأخرين، الذين لا يمكن أنْ نقول إنهم من أتباع المذهب الكوفي، وإنما هي وجهات نظر شخصية، وسنناقش هذا الموضوع عند حديثنا عن قضية الاستشهاد بالحديث النبوي عند أبي البقاء العكبري.
أمَّا كلام العرب، فقد اعتبره الفريقان نبعا رئيسا في تقعيد القواعد، واستخراج الأصول، والخلاف بين المذهبين في الاستشهاد بالكلام العربي، يكمن في تحري البصريين أنْ تكون شواهدهم كثيرة، ومعروفة القائل، ومسموعة من العرب الخُلَّص، فاقتصروا على شعر الجاهليين والمخضرمين، أمَّا الكوفيون فقد أقاموا وزنا لكل مسموع، فكانوا يعتدون بالشواهد الفردية، وإنْ لم يرد غيرها في كلام العرب، كما كانوا يحتجون بالشعر الذي لا يُعرف قائله، فاحتجوا بشعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، وربما بشعر المولدين.
ولا نغالي إذا قلنا: إنّ شروط البصريين أكثر ضبطا لمن يُريد أنْ يقعد قواعد النحو، وشروط الكوفيين أنفع لمن يُريد أنْ يجمع كلام العرب، ويطلع على لهجاتهم.
هذا عن السماع، أمَّا القياس فإنّ الفريقين كانا يقيسان، وربما كان الكوفيون أكثر قياسا من الناحية الكميَّة، لأنهم يقيسون على القليل والكثير، والنادر والشاذ، ولكنّ العلل التي اعتمدوها في القياس، لم تصل إلى مستوى العلل البصرية، من أجل ذلك قيل لنا: إنّ البصريين كانوا أضبط قياسا، ولكن هذا لا يعني أنّ الكوفيين قد جعلوا السماع سمة وحيدة لهم، فقد كانت لهم أقيستهم وعللهم، فهذا الكسائي شيخ الكوفيين يقول:
إنَّما النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَع ... وَبِهِ فِيْ كُلِّ عِلْمٍ يُنْتَفَع [1]
(1) بيت من عشرة أبيات أوردها القفطي، إنباه الرواة على أنباه النحاة 2/ 267، والأبيات هي:
إنما النحو قياس يتّبع ... و به في كلّ أمر ينتفع
فإذا ما أبصر النحو الفتى ... مرّ في المنطق مرّا فاتسع
فاتقاه كلّ من جالسه ... من جليس ناطق أو مستمع
و إذا لم يبصر النحو الفتى ... هاب أن ينطق جبنا فانقطع
فتراه ينصب الرفع و ما ... كان من نصب و من خفض رفع
يقرأ القرآن لا يعرف ما ... صرّف الإعراب فيه و صنع
و الذى يعرفه يقرؤه ... و إذا ما شكّ في حرف رجع
ناظرا فيه و في إعرابه ... فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم ... ليست السّنّة منا كالبدع
كم وضيع رفع النحو و كم ... من شريف قد رأيناه وضع