فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 446

وليس هذا القول صحيحا على إطلاقه، فقد يصدق القول الأخير على أكثر الكوفيين، ولكنّ القول برد القراءات لا يصدق على أكثر البصريين، بحيث يكون لهم ميِّزة عن غيرهم، فقد وجدنا كثيرا منهم يؤيِّدون بعض القراءات، ويجدون لها تعليلا، وليس أدل على ذلك من احتجاج سيبويه [1] ، والأخفش [2] بها، وكذلك احتجاج البصريين المتأخرين بالقراءات، فهذا أبو حيان الأندلسي، تجد الاستشهاد بالقراءات ولها مالئا تفسيره: البحر المحيط؛ حتى أنه حمل على الزمخشري حملة قاسية، لأنه ردَّ قراءة سبعيَّة.

والذي نراه أقرب للصواب، أنّ البصريين قد رفضوا القراءات الشاذة، ولم يحتجوا بها، أمَّا القراءات المتواترة، فمنهم مَن خطَّأ بعضها، وتأوَّل بعضها الآخر، ومنهم مَن قبل أكثرها، وردّ القليل منها، ومنهم مَن وقف موقفا وسطا، دون أنْ يحاول تأويلها.

وخلاصة الرأي ـ فيما نرى ـ أنّ البصريين قد تأوَّلوا كثيرا من القراءات؛ حتى أخضعوها لأصولهم وأقيستهم، فما وافق أصولهم، ولو بالتأويل قبلوه، وما لم يوافق هذه الأصول رمَوْه بالشذوذ، وربما بالقبح أو الرداءة.

أمَّا الكوفيون فإنهم يؤمنون أنّ القرآن الكريم جاء بلغات مختلفة، وكلها فصيحة، لذا فهم يبنون قواعدهم على هذه القراءات، ويعقدون على ما جاء فيها كثيرا من أصولهم وأحكامهم، وهم حين يُرجحون القراءات المتواترة، لا يرفضون الشاذة، أو يغلطونها، وذلك لأنهم أصحاب منهج نقلي، فهي صواب عندهم، والاحتجاج بها أولى من الاحتجاج ببيت من الشعر، لا يُعرف قائله.

وقد جاء احتجاج كثير من الكوفيين بالقراءات مجردا من التأويل والتعليل والتخريج، وإنْ كُنّا لا نعدم مَن خالف هذا المنهج منهم، فهذا الفراء يقترب كثيرا من المنهج البصري في التأويل والتخريج، وإنْ كان لقياسه صبغة تختلف عن صبغة القياس البصري، ولكنه لا يقل عن الخليل وسيبويه عناية بالقياس والعلة، والعلة القياسية هي أبرز ما تقف عليه في منهج الفراء [3] ، ولكننا لا نستطيع أنْ نضعه في صفّ البصريين المتأخرين، أمثال الفارسي، وابن جني، وابن الأنباري.

وعلى العموم فإنّ الكوفيين قد وقر في أذهانهم أنّ القراءات توقيفية، أو هكذا بدا لهم، فلم يجرؤوا على تخطئتها، وأمَّا البصريون فقد رأى كثير منهم أنها اجتهادية، فأخرجوها من دائرة التنزيل، وعاملوها معاملة سائر النصوص غير القرآنية، ورأى بعضهم رأي الكوفيين في

(1) سيبويه، الكتاب، انظر على سبيل المثال 1/ 144، 148

(2) الأخفش، معاني القرآن، انظر على سبيل المثال ص 232، 270، 389

(3) الفراء، المذكر والمؤنث. انظر على سبيل المثال ص 60، 63، 98

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت