للمذهبين الكبيرين، ولكنّ المتأخرين سموها بهذه المسميات؛ جريا على العادة والتسليم بنسبة المذاهب النحوية بأسماء المدن والمواطن، التي اشتُهِرت فيها.
وما قلناه لا يعني أنّ المذهبين النحويين ـ البصري والكوفي ـ قد انتهى كل منهما بانتقال علمائهما إلى بغداد، ولكنّ حِدَّة التعصب بينهما قد فترت، وإنْ كنَّا لا نعدم بين الفينة والفينة نحاة تعصبوا للمذهب البصري، كأبي البركات الأنباري (ت: 577 هـ) ، وابن عصفور الأشبيلي (ت: 669 هـ) ، وعلى ما سنراه من أمر شيخنا أبي البقاء العكبري، كما أنّ بعض النحاة المتأخرين قد تعصبوا للمذهب الكوفي، وآثروه على المذهب البصري، كأبي بكر الأنباري (ت: 328 هـ) ، وابن عدلان الموصلي (ت 666 هـ) .
لقد تشبّع النحو في عصر أبي البقاء بالروح الفلسفية، وامتزج النحو بالمنطق، وأغرق النحاة أنفسهم بالحدود والعلل والأقيسة المنطقية، فعُقِدت المناظرات، وأصبح الجدل عِلما له أصوله وقواعده، وتوسَّعت مجالات الحوار، سواء كان ذلك في النحو أو في المنطق، وقد شجَّعت هذه المناظرات على تنشيط الحركة العلمية، وإنْ لم تخل ـ في الغالب ـ من الشرِّ والتشنيع.
وفي عصر أبي البقاء ازدادت أواصر القربى بين النحو والفقه، وأخذ النحاة بأساليب المنطق في عرضهم لقضايا الخلاف النحوي، وأنشأوا فيه كتبا تُماثل كتب الخلاف الفقهي في المنهج وأسلوب العرض، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنّ علوم الكلام قد تسربت إلى عِلم النحو، وإلى شتى ميادين الحياة العلمية، فشغل النحاة أنفسهم بالحدود الجامعة المانعة، وتعميق الظواهر النحوية، والأساليب الحوارية.
وعلى العموم، فإنّ مجمل الدراسات العربية، في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وأوائل القرن السابع الهجري، يغشاها الأسلوب التعليمي، الذي من مظاهره كثرة الشروح على أُمَّات كتب النحو واللغة والأدب، وقد انصبت عناية النحويين على كتاب سيبويه (ت: في حدود 180 هـ) ، وجمل الزجاجي (ت: 337 هـ) ، وإيضاح الفارسي (ت: 377 هـ) ، ولمع ابن جني (ت: 392 هـ) ، ومفصل الزمخشري (ت: 538 هـ) ، كما أنّ التأليف في الخلاف النحوي والفقهي كان سمة من سمات عصر أبي البقاء.
وقد عاصر أبو البقاء من مشاهير النحاة: ابن الخشاب [1] (ت: 567 هـ) ، وابن الدهان [2] (ت: 569 هـ) ، وابن الأنباري [3] (ت: 577 هـ) ، والسهيلي [4] (ت: 581 هـ) ، وابن
(1) انظر ترجمته في: القفطي، إنباه الرواة 2/ 99، واليماني، إشارة التعيين، ص 159
(2) انظر ترجمته في: ابن الأنباري، طبقات الأدباء، ص 263، القفطي م. س 2/ 103
(3) انظر ترجمته في: القفطي، م. س 2/ 169، واليماني م. س، ص 185
(4) انظر ترجمته في: القفطي، م. س 2/ 162، واليماني م. س، ص 182