جعل القدماء البصريين أهل قياس، لأنّ مَن ضبطه منهم كثيرون، ولهم فيه عناية بالغة، وعدّوا الكوفيين أهل سماع، لأنهم سجّلوا كل ما سمعوا، ولم يحكموا القياس إحكام البصريين، فأربوا عليه بالسماع.
وقد جمع السيوطي خلاصة آراء القدماء، فقال: اتفقوا على أنّ البصريين أصح قياسا، لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع، ولا يقيسون على الشاذ، والكوفيون أوسع رواية [1] .
وقال أيضا: مذهب الكوفيين القياس على الشاذ، ومذهب البصريين اتباع التأويلات البعيدة، التي خالفها الظاهر [2] .
وبإيجاز موجز فإنّ المذهب الكوفي عند القدماء هو مذهب السماع، الذي يؤثر كل ما جاء عن العرب، وأصحابه يعتدّون بالشواهد الفردية، ولو سمعوا كلاما من أعرابي فيه جواز شيء مخالف للأصول، اعتمدوا عليه، وجعلوه أصلا يُقاس عليه.
أمَّا البصريون فإنهم يقفون عند الشواهد الكثيرة النظائر ـ في الغالب ـ ويتشددون غاية التشدد في السماع، ويقصرونه على قبائل بعينها [3] ، ويتصلبون في أمر الرواية، ويُحكِّمون المقاييس العقلية في الكثير من القضايا النحوية، ويُعملون التأويل في كل ما خالف قواعد القياس؛ لتجري اللغة على سنن واحد، وتلتزم القواعد النحوية حدود أقيستهم، والمخالف لقواعد القياس يحكمون عليه بالشذوذ ـ في الغالب ـ ومن ثم كثُر عندهم ما قلَّ عند الكوفيين من التأويل والحكم بالشذوذ والضرورات.
صورة المذهبين عند المحدَثِيْن:
غصت كتب المُحْدَثِيْن بالأقوال المتضاربة، والآراء المتناقضة عند حديثهم عن خصائص المذهبين، غير أنهم مُجمعون على أنّ البصريين لهم اتجاه يُميّزهم عن الكوفيين، وكثير من الذي قالوه كانوا مسبوقين فيه، فأقوالهم تدور في الإطار الذي رسمه لهم القدماء، فالبصريون أصحاب عقل وقياس، والكوفيين أهل شِعْر ورواية، أولئك قوم منطقيون وقيّاسون، انتفعوا بالمنطق الأرسطي، واستهانوا بالمسموع، الذي يخالف سنن القياس، وجعلوه شاذا لا يُقاس عليه، وربما رموه بالتخطئة، لأنهم أرادوا أنْ تجري اللغة دائما منطقية.
(1) السيوطي، الاقتراح في علم أصول النحو، ص 84
(2) م. ن، ص 86
(3) انظر ما ذكره السيوطي في: المزهر في علوم اللغة وأنواعها 1/ 211 ــ 212 نقلا عن كتاب الألفاظ ... والحروف، لأبي نصر الفارابي.