ب
اتجاهات الدراسات النحوية منذ نشأتها إلى عصر أبي البقاء:
نشأ النحو العربي أوَّل ما نشأ في البصرة، ولذلك أسبابه، فلم يكن الخطر على اللغة في أية بيئة إسلامية جديدة كما كانت عليه الحال في البصرة، حيث السواد من سكانها نبط وعجم وهنود [1] ، وحيث صراع اللغات عنيف، بل تكاد تكون لكل قبيلة عربية، استوطنت البصرة لهجة خاصة.
وظل مركز النشاط النحوي في البصرة، فلم تكن في القرن الهجري الأوَّل، ومنتصف الثاني مدينة تستطيع منافستها، وذلك لأنّ علماء الكوفة انصرفوا في تلك الأثناء إلى دراسة الفقه، وإقراء القرآن الكريم، ثم ما لبث الكوفيون أنْ تنبهوا إلى دراسة النحو، وبعد أنْ قطع البصريون فيه أشواطا، إذ سبق البصريون الكوفيين في دراسة النحو بما يُقارب مائة عام، ولم يتقيد الكوفيون بمذاهب البصريين في التأصيل والتفريع، بل رسم لهم نحاتهم الأوائل الحدود التي احتذوا أمثلتها، وخالفوا فيها البصريين، وعلى الرغم من ذلك فإننا لا نلحظ التطور النحوي في الكوفة، كما كانت عليه الحال في البصرة [2] .
والفروق التي سنوردها بين المذهبين ليست جامعة، ولا مانعة، فليست هناك قاعدة أجمع عليها نحاة البصرة، وأجمع على معارضتها نحاة الكوفة، أو قال بها الكوفيون جميعا، وعارضها البصريون جميعا، بل كثيرا ما نجد العالِم الواحد من أهل الكوفة يذهب إلى أحكام يوافق فيها مذهب البصريين، ويخالف أهل مذهبه، وكثيرا ما تجد هذه الظاهرة في كتابي: التبيين عن مذاهب البصريين والكوفيين ـ لأبي البقاء العكبري، والإنصاف في مسائل الخلاف ـ لابن الأنباري خاصة، وفي كتب النحو عامة، وما أكثر ما تقرأ في كتب النحو: قال البصريون إلاّ فلانا، وذهب الكوفيون إلاّ فلانا، ولم يطرد الصواب في أحد المذهبين اطرادا، بل نجده تارة مع هؤلاء، وأُخرى مع أولئك، وأحيانا وسطا بينهما.
وسنحصر الحديث في الفروق بين المذهبين في ناحيتين اثنتين، إليهما مرد الأمر كله عند القدماء والمحدّثِيْن، وهما: السماع والقياس.
صورة المذهبين عند القدماء:
(1) أحمد كمال زكي، الحياة الأدبية في البصرة، ص 162
(2) مهدي المخزومي، مدرسة الكوفة، ص 95