أمَّا الكوفيون فقد أكثروا من جمع الشواهد النحوية، وبرعوا في روايتها وحفظها، ولم يتقيّدوا بالمنطق البصري [1] ، ولم يهدروا شيئا من كلام العرب مطلقا؛ مشهورا فاشيا أو غير مشهور، وجوّزوا القياس على كل مسموع من كلام العرب، وإنْ خالف هذا المسموع الأشيع والأفشى [2] ، وأجلى ما ينماز به نحو الكوفيين أنّ لواءه بيد السماع، لا يخفر له ذمة، ولا ينقض له عهدا، ويهون على الكوفي نقض أصل من أصوله، ونسف قاعدة من قواعده، ولا يهون عليه اطّراح المسموع [3] .
ويرى إبراهيم السامرائي أنّ البصريين والكوفيين قد أخذوا بالسماع والقياس، ولم يتباينوا في الأصول العامة، غير أنّ منهج البصريين كان يعتمد القياس على الكثير [4] ، وقريب من هذا ما قاله شوقي ضيف [5] .
ويرى محمد الطنطاوي أنّ الكوفيين قد وضعوا للشيء الواحد؛ متى ورد على صُور متغايرة قواعد بقدر صوره، فكثرت قواعدهم [6] ، وإلى مثل هذا ذهب إبراهيم أنيس [7] .
وقد ذهب أحمد أمين إلى أنّ أهل البصرة كانوا أكثر حرية، وأقوى سلطانا على اللغة، وأنّ الكوفيين أقل حرية، وأشد احتراما لِما ورد عن العرب، فهم يحترمون كل ما جاء عن العرب، ويُجيزون للناس أنْ يستعملوا استعمالاتهم [8] .
وينسب سعيد الأفغاني السماع والقياس المنظمين إلى البصريين، ويرى أنّ الكوفيين ليسوا أهل سماع ولا قياس منظمين، وليس لهم مناهج محررة في القياس [9] .
ويرى ديبور أنّ نحاة البصرة قد جعلوا للقياس شأنا كبيرا في الأحكام المتعلقة بأمور اللغة، على حين ترخص الكوفيون في أمور كثيرة، تشذ عن القياس [10] .
هذا بعض ما ذكره المحدثون في هذه القضية، والحق الذي نراه أقرب إلى الصواب، أنّ الحقيقة ليست مع هؤلاء، ولا مع أولئك، ولكنها في مكان ما بينهما، فأهل البصرة والكوفة قد اتفقوا في الأصول والأركان العامة للنحو، وكلا الفريقين أخذ بالسماع والقياس، بيد أنّ
(1) عبد الحميد عابدين، المدخل إلى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية، ص 64
(2) عمر رضا كحالة، اللغة العربية وعلومها، ص 117
(3) طه الراوي، نظرات في اللغة والنحو، ص 11 ــ 12
(4) إبراهيم السامرائي، النحو العربي ـ نقد وبناء، ص 37
(5) شوقي ضيف، المدارس النحوية، ص 158
(6) محمد الطنطاوي، نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، ص 143
(7) إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة، ص 25
(8) أحمد أمين، ضُحى الإسلام 2/ 295 ــ 296
(9) سعيد الأفغاني، في أصول النحو، ص 210
(10) ديبور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 75