الصفحة 17 من 1671

ومن متخلّق (1) متجرّد (2) تصوّف، ومتعلّق متفرّد تشوّق إلى ما فيه رضا الربّ وتشوّف (3) ، وناه ذكّر بأيام الله، ووعظ وخوّف، ولاه اغترّ بالباطل، فهو بالحق مماطل، وطالما أخره وسوّف، وأبعد الانتجاع، ثم أوى من باطنه إلى بيت قعيدته لكاع (4) نفس أمّارة بعدما طوّف، ومن مادح نظم الآلاء نظم اللآل، وكادح طمس لألاء العز بظلمة ذلّ السؤال، فجعل القصائد مصايد، والرسائل وسائل، والمقطعات مرقعات، فآل أمره إلى ما آل، ومن مخبر بما سمع ورأى، حين اغترب عن مكانه ونأى، أو أقام في أوطانه فبلغ ما قدّر ووأى (5) ومن مجازف لا يفرق بين الغثّ والسمين والإمرار والإحلاء، وعارف ثقة أمين نظم درّ الصدف الثمين في أسلاك الكتابة والإملاء، وعاشق خنساء فكره ذات الصّدار من الشجون والشعار تبكي على صخر قلب المحبوب، وتذكره كلما طلعت شمس (6) أو كان للصّبا هبوب، فتأتي بما يطفي وقود الجوى المشبوب من بحار الأشعار، وليلى شوقه العفيفة عن العار ترفل في ثوب من التصبّر معار، وقيس توقه من ثوب السلوّ عار (7) ، قد تولّه واشتاق خصوصا عند انتشاق البشام والعرار (8) وقلق لما أرق فلم يقرّ به قرار، فاعتراه ما براه وألف البكاء بحكم الاضطرار، ولبس ثياب النحول والاصفرار، وأسر لما هزمت جيوش صبره وأزمعت الفرار، فتحير مما شجاه وسأل النجاة من أسر الفراق. [مجزوء الكامل]

سبحان من قسم الحظو ... ظ فلا عتاب ولا ملامه ...

أعمى وأعشى ثمّ ذو ... بصر وزرقاء اليمامه (9) ...

ومسدّد أو جائر ... أو حائر يشكو ظلامه (10)

(1) المتخلق: اللابس الثياب الخلقة البالية، أو ذو الخلق.

(2) المتجرد: العريان، أو الذي جرّد نفسه للعبادة.

(3) تشوف إلى الشيء: تطلع إلى الشيء، طمح إليه.

(4) أخذ هذا من بيت الحطيئة:

أطوّف ما أطوّف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع

(5) وأى: ضمن بعزم.

(6) يشير إلى الخنساء ورثائها لأخيها صخر؛ ولبسها صدارا جزعا عليه، فلم تنزعه حتى ماتت. وكانت تقول:

يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكلّ طلوع شمس

(7) فيه إشارات إلى قيس وليلى.

(8) الانتشاق: الشمّ: والبشام والعرار: نبتان طيبا الرائحة من نبات نجد.

(9) زرقاء اليمامة: كانت مضرب المثل في حدّة البصر.

(10) المسدد: الذي أعطي السداد. والجائر: الحائد عن القصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت