يقدّمه الذي يريد أن يتوصّل إلى علم شيء، من الأدلّة، بمنزلة الدّريّة التي يتوصّل بها إلى ختل الصيد وخدعه، فأمّا قول بعضهم:
*لا همّ، لا أدري، وأنت الدّاري* (1)
فغير معرّج عليه، ولا مأخوذ به، ووجهه أنه أجراه مجرى «عالم» ، ولم يلتفت إلى أصله. ومن لا بصر له بالاشتقاق يجوّز استعمال هذه الصفات في حقّ الله تعالى.
والذي يدلّ على غموضه كثرة ما يوجد من السّقطات فيه لجلّة العلماء؛ ألا ترى ما يحكى عن أبي عبيد، من أنه قال في «مندوحة» من قولك: «مالي عنه مندوحة» أي متّسع: إنها مشتقّة من «انداح» ، وذلك فاسد لأنّ «انداح» : «انفعل» ونونه زائدة، و «مندوحة» : «مفعولة» ونونه أصليّة؛ إذ لو كانت زائدة لكانت «منفعلة» ، وهو بناء لم يثبت في كلامهم، فهو على هذا، مشتق من «النّدح» ، وهو جانب الجبل وطرفه، وهو إلى السّعة.
ونحو من ذلك ما يحكى عن أبي العباس ثعلب، من أنه جعل «أسكفّة الباب» (2) من «استكفّ» أي: اجتمع، وذلك فاسد؛ لأنّ «استكفّ» : «استفعل» وسينه زائدة، و «أسكفّة» : «أفعلّة» وسينه أصلية؛ إذ لو كانت زائدة لكان وزنه «أسفعلة» ، وذلك بناء غير موجود في أبنية كلامهم.
وكذلك أيضا حكي عنه أنه قال في «تنّور» : إنّ وزنه «تفعول» من النّار. وذلك باطل؛ إذ لو كان كذلك لكان تنوورا، والصواب أنه «فعّول» من تركيب تاء ونون وراء، نحو تنر، وإن لم ينطق به.
وقد حكي عن غيرهما، من رؤساء النحويّين واللغويّين، من السّقطات نحو ممّا ذكرنا، إلّا أني قصدت إلى الاختصار، وفي هذا القدر الذي أوردناه كفاية.
وقد كان ينبغي أن يقدّم علم التصريف على غيره، من علوم العربيّة، إذ هو معرفة ذوات الكلم، في أنفسها، من غير تركيب، ومعرفة الشيء في نفسه، قبل أن يتركّب، ينبغي أن تكون مقدّمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب، إلّا أنه أخّر، للطفه ودقّته، فجعل ما قدّم عليه من ذكر العوامل توطئة له، حتى لا يصل إليه الطالب، إلّا وهو قد تدرّب، وارتاض للقياس.
(1) الرجز للعجاج في لسان العرب، لابن منظور مادة (لهم) ، والفرق للعسكري ص 99.
(2) أسكفة الباب: هي خشبته التي يوطأ عليها. انظر لسان العرب لابن منظور، مادة (سكف) .