فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 582

وما يبعث على الدهشة والاستغراب والحيرة والافتخار معا، أن هذه البقعة الصغيرة بحجمها، ذات ماض مجيد، وتاريخ مفعم بالبطولات، وقد أنبتت أبطالا أشدّاء، وقادة حكماء، وعلماء بررة، وشعراء كبارا وكتبة ومؤلفين، تركوا آثارا علمية عظيمة، ومؤلفات جمّة في: الفلسفة، والأصول، والفقه، والعقائد، والرياضيات، والطبّ، واللغة، والأدب، والشعر، ومع كلّ هذا، لم يصل إلينا من متروكاتهم التأريخية كتاب واحد يتحدّث عمّا تعرّضت له بلادنا من أحداث!.

ولعل السبب في ذلك، يعود إلى عدم رغبة العامليين في كتابة التاريخ السياسي لبلادهم، لأنهم شأن جميع الشيعة في كل العصور السالفة، قد جافوا السياسة وأربابها، لاكتوائهم بحرّ نارها، حتى في العصر الفاطمي الذي كان يتشيّع لبعض أئمتهم، لم يتحمّسوا له ولدولته إلّا بمقدار، حتى أنّك لتجد ـ مثلا ـ شاعرا (1) من مدينة صور، ذائع الصيت، مدّاحا للغني والفقير على حدّ سواء، وهو مع ذلك لم يمدح خلفاء هذه الدولة إلّا بقصائد معدودة في ديوانه.

وهناك رأي جدير بالاهتمام، يفترض أن مؤلفات العامليين التاريخية تفرّقت أيدي سبأ، ولعبت بها أيدي الضياع، وبدّدتها الحوادث، فعفى أثرها، وامّحى خبرها، في عصور، كانت البلاد تسبح فيها، في بحر من الدماء، وتهزّها الفتن، وترهقها الحروب، فاقتضت السياسات المتعاقبة على مصادرة مكتبات العلماء ومخطوطاتهم النفيسة فيكفي أن ينشد عالم في قرية مجدل سلم قصيدة، وذلك في أوائل القرن الثامن من الهجرة، حتى

(1) هو الشاعر عبد المحسن الصوري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت