ولهذا يفرق ما بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع المسلم ومن يلي الحسبة من يلي الأمر والنهي، وما بين الداعي إلى الله جل وعلا، والآية فرقت بالواو والعلماء يقولون الواو تقتضي المغايرة، والمغايرة هنا مغايرة صفات لا مغايرة حقيقة؛ لأن الدعوة والأمر والنهي الجميع دعوة؛ لكن ثم مغايرة في الصفات، كما غُيِرَ وفُرِّق ما بين الكتاب والقرآن ?تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ? [الحجر:1] ، فالكتاب والقرآن شيء واحد؛ لكن جاء العطف بالواو ليقتضي التغاير في الصفات لا في الذات، فالأمر والنهي والدعوة من حيث الذات شيء واحد؛ لكن من حيث الصفات والأحوال متغاير كما نهبتك عليه.
ندخل في الأخلاق فنقول:
الدعوة إلى الله جل وعلا عبادة وهذا أمر بيّن واضح، ما وجه كونها عبادة؟ أن الله جل وعلا أمر بها وأثاب الداعي إلى الله جل وعلا وعظّم شأنه:
فأمر سبحانه بالدعوة في قوله ?فَلِذَلِكَ فَادْعُ? هذا أمر ?وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ? [الشورى:15] .
وحضّ وبيّن عظم شأن الداعي بقوله ?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ? [فصلت:33] .
ومن المتقرر في الأصول أن المسألة أو أن الشيء إذا أمر به فهو عبادة، وإذا بُين الثواب على إتيانه فهو عبادة.
إذا كانت الدعوة عبادة فلا شك أن العبادة لهذا شرطان لصحتها وقَبولها:
أما الأول فهو الإخلاص.
وأما الثاني فهو المتابعة.
الإخلاص والسنة، فمن لم يأت في الدعوة بالإخلاص وبالسنة فإنه لم يأت بالعبادة على وجهها الصحيح؛ بل هي غير مقبولة منه، ولهذا ما قُبلت دعوة الخوارج، ولا قُبلت دعوة الضالين؛ لأنهم دعوا قد يكونون مخلصين لله دعوا، يرغبون ما عند الله، لا يرجون الخلق، ولكنهم لم يتابعوا السنة فصاروا مأزورين غير مأجورين؛ بل جعل النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ الخوارج كلاب أهل النار فقال في وصفهم «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاور حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم لمن قتلهم أجرا عند الله جل وعلا» وهم يدعون ويجاهدون، ويخلصون؛ يعني يرون أن فعلهم هذا يقرب إلى الله ولم يعبؤوا بالخلق لكنهم ما تابعوا السنة، كانوا على خلاف طريقة السلف طريقة الصحابة رضوان الله عليهم فصار عملهم مردودا عليهم.