وقد دخل رجل يهودي إلى بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: السام عليك. السام يعني الموت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام «وعليك» ، سمعت عائشة -رضي الله عنها- هذا الكلام فغضبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت لليهودي: وعليك السام واللعنة. فقال لها عليه الصلاة والسلام «مهلا يا عائشة» ، فقالت: يا رسول الله ألم تسمع إلى ما قال؟، قال «ألم تسمعي، أني قلت وعليكم -أو وعليك-، يا عائشة: إن الله يحب الرفق في الأمر كله» .
وقد ثبت أيضا في صحيح مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إن الله الرفق ويعطي عليه» ، قال «إن الرفق ما كان في شيء إلا في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه» .
وثبت عنه أيضا عليه الصلاة والسلام أنه قال «إن الله يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه مالا يعطي على العنف» .
هذه وصية ابن مسعود -رضي الله عنه-، قال: إنها أمور مشتبهات فعليكم بالتؤدة.
أمور مشتبهات في الأقوال، أمور مشتبهات في الواقع، في أحوال الناس، فماذا ينبغي؟ ما الوصية؟ الرفق يحبه الله ورسوله، وهذه وصية ابن مسعود الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام «تمسكوا بعهد ابن أم عبد» ، قال: فعليكم بالتؤدة. إذا ابتدأت المتشابهات التي لا تدري كيف تُرجعها، لا تدري هل تفعل فيها كذا أو تفعل فيها كذا، لا تدري ماذا تقول فيها؟ فماذا تعمل؟ عليك بالتؤدة؛ لأنه لا يجوز لك أن تتصرف تصرفا إلا عن علم، إذا تصرفت عن جهل فأنت حسيب نفسك وتصرفك عليك؛ لكن لا يجوز أن تتصرف إلا بعلم لأن العلم به النجاة والجهل أودى الناس بالهلاك.
فعليك بالتؤدة يعني تتأنى، فلا تتكلم إلا بكلام تعلم حسنه في الشرع وإصابته في الشرع، فإن كنت عاميا أو طالب علم فتسأل أهل العلم الراسخين فيه يبصرونك فيما ترى، فإذا ساقوا الأدلة على قولهم فإنك تعتقد الحق بدليله.
إذا أتت الأمور في الأقوال، أتى من يقول لك فكرة غريبة، في مجلس أتى من يقول كلاما جديدا على سمعك؛ لم تسمعه من قبل، فماذا تتصرف؟ هل تقبله هكذا أو تتئد وتترفق حتى تسأل أهل العلم حتى تكون فيما تقبل وما لا تقبل سائرا على وفق العلم، وصية ابن مسعود فعليكم بالتؤدة، فإن قيل لك كلام غريب تتئد وتتأنى وتترفق، فلا تُقْدم على شيء من تصديق قول أو تكذيبه، أو من اعتقاد أو نفي اعتقاده، أو من عمل ومسارعة في شيء أو بُعد عنه، إلا بعد الترفق والتأني والتأمل.