فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 2735

فابن مسعود هو العالم الداعي المربي، قال هذه الكلمة ليحذِّر الناس عن الابتعاد عن طريق أهل العلم وإتيان طريق الخطباء؛ لأن في زمنه العلماء كثير ولكن الخطباء قليل، وأما في الزمن الذي يكون بعد زمنه (سيأتيكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه) ، وقد قال عليه الصلاة والسلام «خيركم قريني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» فذكر ثلاثة قرون وقال «لا يأتيكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» ، وثبت عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ليلة عرج به إلى السماء رأى أقواما من أمته تُقرض شفاههم ويعذبون، ففزع عليه الصلاة والسلام وقال لجبريل: «يا جبريل من هؤلاء؟» قال: «هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون» .

ولهذا تجد أن أثر الكلام اليوم، أثر الكلام في النفوس لم؟ لأنه كما قيل إذا صدر الكلام من موفق مخلص دخل القلوب بإذن الله، وأما إذا صار رياء وسمعه فإنه للذة لا يجاوز الآذان، يستلذ كلام طيب جميل ما شاء الله، وعجيب، ولكن هل أثَّر في حياة الناس؟ هل أثر؟ دخل في القلوب؟ ما دخل ولا أثر.

كثير اليوم نحضر في خطب الجمعة، ويأتي أمر ونهي وتذكير عظيم؛ لكن هل فزع الناس من هذا التذكير؟ هل قبلوا؟ القليل من يقبل، الأكثرون لا يقبلون، ومن أسباب ذلك أشياء راجعة إلى الخطيب، ومنها أسباب راجعة إلى المستمع. فما المخرج؟

وصية ابن مسعود وعهده أن تهتم بالعلماء، وأن تذر الخطباء؛ يعني أن التوجيه والعهد والوصية والعلم تأخذها من أهل العلم؛ لكن الخطباء هؤلاء كثير ولكنهم غير العلماء، العالم موصوف بالعلم والخطيب موصوف بالخطابة، ولما غاير بين الخطباء والعلماء دلنا على أنه يريد العلماء غير الخطباء، وإذا نظرنا إلى هذا الكلام، وتأملنا إلى الواقع اليوم وجدنا أن سماع الناس لكلام الخطباء أكثر من سماعهم لكلام العلماء ولهذا قد... (1)

[الوصية الخامسة]

كلمة أخرى لابن مسعود رضي الله عنه، قال رضي الله عنه لأصحابه محذرا وموصيا وعاهدا إليهم، وإلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - قال:

إنها ستكون أمور مشتبِهات فعليكم بالتؤدة، فإن الرجل يكون تابعا في الخير، خير من أن يكون رأسا في الضلالة.

(1) انتهى الوجه الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت