فإذن يكون قوله عليه الصلاة والسلام «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» محمول على من فسره عن هوى، كقول أهل الفرق المنحرفة والفرق الباطلة؛ كقول المرجئة والقدرية في القرآن وكقول الخوارج وقول المعتزلة وقول الأشاعرة وأشباه هذه الأقوال في القرآن، فمن قال في القرآن برأيه وحمل معاني القرآن على رأي حَدَثَ -بإجماع بعد زمن النبوة بمائة سنة أو أكثر- فإنّه متوَّعد بأن يتبوأ مقعده من النار، أما قوله عليه الصلاة والسلام «من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ وإنْ أصاب» قال العلماء معناه: من قال في القرآن برأيه وكان رأيه عن جهل لا عن علم فوافق الصواب اتفاقا ولم يأتي للصواب عن علم ويقين؛ عن علم وبينة، مثلا واحد يفسر القرآن هكذا بمِزاجه بما يطرأ في ذهنه يظهر له معنى للآية فيفسر، فهذا وإن أصاب -الصواب في التفسير- لكنه أخطأ ومتوعد لأنه تجرأ على القرآن ففسره بغير علم.
فإذن مدرسة التفسير بالرأي لها اتجاهان:
( من أهلها من فسّر القرآن بالرأي الناشئ عن هوى، كما فسرت المعتزلة بآرائهم وأهوائهم، وكما فسرت الخوارج والإباضية والرافضة القرآن بآرائهم وأهوائهم، وكما فسر الأشاعرة والماتريدية القرآن بآرائهم وأهوائهم، وتركوا تفاسير السلف إلى تفاسير محدثة، فهؤلاء مذمومون؛ لأنهم فسروا القرآن برأي لا دليل عليه ولا حجة فيه، وإنما نشأ ذلك التفسير عن هوى منهم في ذلك التفسير، فهذا رأي مذموم ومردود على صاحبه.
وتمثله عدة تفاسير من التفاسير المعروفة التي ينتمي أصحابها إلى شيء من الفرق التي ذكرت لكم بعضها.
( القسم الثاني من مدرسة التفسير بالرأي: الذين فسروا القرآن بالاجتهاد والاستنباط وكان اجتهادهم واستنباطهم صحيحا، وهذا إنما يسوغ إذا كمَّل المفسر شروط جواز التفسير بالاجتهاد والاستنباط، وقد تُجمع الشروط التي بها يجوز للمفسر أن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط فيما يلي:
الشرط الأول: أن يكون عالما بعقيدة السلف وبالتوحيد؛ لأن العلم بذلك به يأمن المفسر من أن يفسر القرآن عن هوى أو على نحو من أراء المعتزلة أو الجهمية أو الخوارج أوالقدرية أوالمرجئة إلى آخر تلك الفرق.
الثاني: أن يكون عالما بالقرآن يمكنه أن يفسر القرآن بالقرآن، حافظا للقرآن أو يستطيع أن يرد المتشابه في موضع إلى المحكم في موضع، وحبذا لو كان عنده علم بالقراءات.