أتى هنا ابن جرير وهو إمام المفسرين فصنف كتابه جامع البيان، وهو أعظم كتاب أُلِّف في تفسير القرآن بالإجماع، وبه عُدّ ابن جرير إمام الأئمة في التفسير وهو محمد بن جرير رحمه الله تعالى المولود سنة أربع وعشرين ومائتين (224هـ) والمتوفى سنة عشر وثلاثمائة (310هـ) صنف التفسير وجمع فيه ما تكلم عليه العلماء قبله في التفسير، غلب عليه الأثر ولكنه اعتنى بالتفسير بالنحو والتفسير باللغة؛ يعني أنّ تفسيره صار فيه غلبة لمدرسة التفسير بالأثر؛ ولكن المدرسة الأخرى التي حدثت هي مدرسة التفسير بالرأي، ومدرسة التفسير بالأثر كانت قبل ابن جرير وبعد ابن جرير، فمن تفاسير العلماء التي تنتمي إلى مدرسة التفسير بالأثر كما ذكرت لك تفسير عبد الرزاق وعبد بن حميد والإمام أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير ثم بعده البغوي وابن كثير والدر المنثور إلى غير ذلك.
مدرسة التفسير بالرأي حدثت و مدرسة التفسير بالرأي اُختلف في تعريف الرأي فيها، ما معنى التفسير بالرأي؟ ويجمعها أن يقال التفسير بالرأي معناه التفسير بالاجتهاد والاستنباط، والاجتهاد الذي عمِله أصحاب هذه المدرسة قسمان: اجتهاد محمود، واجتهاد مذموم مردود على صاحبه. وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير ما حديث حسَّنَها بعض أهل العلم وضعفها آخرون أنّه قال «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» ، وفي لفظ قال «من فسّر القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب» ففيه ذمٌّ للتفسير بالرأي؛ لأنّ في الأول أنّه إن فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، وفي الثاني أنه إن فسر القرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب، قال العلماء: هذا محمول على المعنى التالي: وهو أنّ التفسير بالرأي إذا كان عن هوى وعن انحراف فإنّه يكون تفسيرا برأيٍ يتبوأ صاحبه مقعده من النار. فحملوا قوله عليه الصلاة والسلام «من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار» بمن قال في القرآن برأيه الذي نشأ عن هوى لا عن أدلة صحيحة كما قدمنا؛ لأنّ الصحابة اجتهدوا في التفسير وقالوا في التفسير بأشياء لم ينقلوها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قلنا إنه يُذم جميع أنواع التفسير بالرأي -يعني بالاجتهاد والاستنباط- فإذن يُذم الصحابة على اجتهادهم في التفسير، وهذا باطل قطعا.