بعد التابعين أتى تبعُ التابعين، فتوسّعوا أيضا في التفسير، ومن ثمّ بدأ تدوين التفسير بدأت كتابة التفسير، كان التفسير ينقل حفظا؛ ينقله الصحابة عن بعض الصحابة، ينقله التابعون عن الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم نقله تبع التابعين عن التابعين عن الصحابة، ثم ابتدأ تدوين التفسير فبدأ هناك من يصنف في التفسير؛ كما صنف السُّدِّي تفسيره -أعني به السُّدِّي الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن- وصنّف أيضا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم تفسيره، وهكذا في غيرهم.
هذه الكتابات في التفسير انتقلت على شكل كتب، ثم توسعت الكتابة في التفسير إلى أن وصلنا إلى تفاسير جمعت المأثور عن الصحابة وعن التابعين عن تبع التابعين في التفسير بالإسماع، مثل تفسير عبد بن حميد، تفسير عبد الرزاق، تفسير عبد الرزاق مطبوع وتفسير عبد بن حميد لم يطبع، ومثل تفسير الإمام أحمد، ومثل تفسير ابن أبي حاتم، ومثل تفسير ابن جرير الطبري.
هذه التفاسير دَوَّنَت تفاسير الصحابة بالأسانيد هذه المدرسة تسمى مدرسة التفسير بالأثر؛ يعني المدرسة التي يفسِّر فيها المفسر بناء على ما ينقله من كلام السلف على الآية، فينقل بإسناده عن الصحابة، ينقل بإسناده عن التابعين في تفسير الآيات، ولا تجد في تلك التفاسير الكثير التفسير الخارج عن تفاسير السلف.
هناك في خضم هذه الفَترة -يعني نهاية القرن الثالث تقريبا- ابتدأت كتابات مختلفة فيها تفسير القرآن بالنحو؛ لأنّه نشأت مدارس نحوية، نشأت مدرسة نحاة البصرة -سيبويه ومن معه-، ونشأت مدرسة نحاة الكوفة، ثم بعد ذلك نحاة بغداد إلى آخره، والنحو معتمد على القرآن، والمدرسة النحوية يؤثر نظرُها في النحو في التفسير، فصار هناك رأي في التفسير من جهة النحو، ورأي في التفسير من جهة اللغة، فصُنِّفت عدة مصنفات؛ كمعاني القرآن للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، وكذلك مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، في كتب على هذا النحو.