الثالث: أنْ لا يدخل المفكر في كل شيء، أنْ لا يكون مجتهدًا، يظن نفسه أنه بما عنده من المعلومات والثقافة وحسن الأسلوب يخوض في كل أمر، فيعرف حدَّه، فما حدّ الفكر الذي يخوض فيه؟ ما هو الذي يجوز له من ذلك؟ لا يجوز له أنْ يكون مجتهدا حكما على العقيدة، حكما على الفقه، حكما على الحديث حكما، على الأحاديث من حيث ثبوتها وعدم ثبوتها من حيث ما يقبل وما لا يقبل، حكم في المسائل الفقهية، حكم في قواعد الشرع، حكم في التاريخ، حكم على العلماء، حكم على الفئات، حكم على الجماعات، حكم على وجهات النظر؛ لأنّ المفكر إنما يعرض رأيه، والرأي إذا لم يكن مستندا إلى أدلة صحيحة في العلم والشرع فإنه رأي، والرأي كما قلنا مذموم إلاّ ما وافق فيه أصحابه الشرع.
فإذا لابدّ أنْ يعلم المفكر حدودَه في أي شيء يتكلم، ما حدود الكلام، وإذا عرف حدوده وأنّ الفكر يخدم الأمة إذا كان في بيان محاسن دينها، إذا كان في وسيلة يقظتها، إذا كان في تصحيح عقولها من الخرافات، إذا كان في تثقيفها، إذا كان في أخذها بوسائل الحضارة وتفهيمها أصولا، ألفاظ، معطيات جديدة، فيريد أنْ يعرضها للأمة بصيغة فكرية، هذا لا شك أنه يخدم يحلل يكتب عن تحليلات لخبر أو لحادثة تاريخية أو لحوادث من السيرة، فتكون بعد ذلك معروضة على أهل العلم، هذه الحدود لا شك أنّه يحتاجها الناس ويحتاجها طوائف من الشباب والكبار ومن المثقفين وغير المثقفين لأجل أنْ يُبان للناس حقيقة هذا الدين بما يناسب أهل العصر.
الرابع مما يجب على المفكرين: أنْ يحرصوا أنْ لا يفرقوا الأمة، وأنْ لا يحدثوا حدَثا فيها، فكل ما حدثت معطيات فكرية جديدة وألفاظ اصطلاحية جديدة تنوير تقدم إلى آخره، يتبعها أناس، وهذا يفرق الأمة، لو استعمل المستعمل ألفاظ فكرية يستعملها غير الإسلاميين من أصحاب تلك الألفاظ فإنه يوقع الناس في شك ويوقع الناس في تبعية ومراجعة لتلك الأفكار، فتلك الأفكار يجب أنْ لا يدعى إليها، وتلك الأفكار يجب أنْ لا يؤخذ بها لأنّ الأخذ بها تفريق للأمة، فإنما يؤخذ بالفكر كما ذكرنا الذي يجمع الأمة وهو ما وافق العلم، أما الفكر الذي يفرق الأمة فإنه مذموم إذْ الواجب أنْ تجمع الأمة على ما اجتمع عليه سلفها الصالح وعلى ما اجتمع عليه الرعيل الأول من وحدة العقيدة ووحدة التلقي للنصوص ووحدة التفكير، وهذا إنما يكون بالرجوع إلى العلم وبالتربية وبالعرض العلمي.