لهذا يجب علينا أن نصيخ لدلائل الشرع العظيمة التي تنهى عن الرأي إذْ إنّ الرأي في دين الله مذموم إلاَّ إذا كان عن مسائل الاجتهاد في مسائل الاجتهاد ممن كانت عنده آلات الاستنباط والاجتهاد؛ يعني أن من رأي رأيًا أو قاس قياسًا أو ظهر بأفكار وهذا عنده لأجل تمكنه من آلات الاستنباط والاجتهاد، فهذا مقبول منه، أما أن يرى والرأي ويصدر الفكر والأحكام من ليس عنده شيء إلاَّ أنه قرأ وتثقف وقال عندي ملكة للمطالعة وعندي ملكة للاطلاع، فهذا لا شك أنه لا يقبل بل هو ما جاء في النصوص النهي عنه، ومن تلك النصوص:
أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنّ اللّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ. وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ. حَتّىَ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا, اتّخَذَ النّاسُ رُؤُسًا جُهّالًا, فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ.» ، وفي رواية مسلم «فَأَفْتَوْا برأيهم فَضَلّوا وَأَضَلّوا» (أفتوا برأيهم) يعني حكموا على الأمور وعلى الأحوال وعلى ما عندهم مما يحتاج إلى حكم بالرأي؛ يعني بالفكر، والرأي والفكر هما شيءٌ واحد فضلوا وأضلوا.
ومن ذلك حديث ابن عباس الذي رواه أبو داوود والنسائي وحسنه الحافظ ابن حجر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مَنْ قالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِه فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» . فظهر من المفكرين من يتكلم في القرآن برأيه، ويجعل بعض المعطيات الفكرية أو النتائج هي من دلالات القرآن، حتى جعل من دلالات القرآن والعياذ بالله أمر مجمع كل بطلانه ولم يقل به أحد من أهل العلم، بل جعل من دلالات القرآن ما يدل على عقائد فاسدة أو ما يدل على آراء، الأدلة والقواعد تقضي عليها من أُسِّها.