والأدلة في ذلاك في السنة كثيررة ومما جاء علن الصحابة في ذلك قول عمر وهو قول عظيم قال رضي الله عنه: إنّ أصحاب الرأي أعداء السنن، أعتيتهم الأحاديث أنْ يحفظوها والسنن أنْ يتفهموها فعارضوا السنن برأيهم فإياك وإياهم. وفي طريق أخرى قال رضي الله عنه: فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا. وهذا الذي قاله عمر منطبق تماما على بعض أنواع الفكر يعني الفكر الذي لا دليل عليه أو الفكر الذي يصدم أصولًا فيكون استدلال أصحابه بالمشتبهات لا بالأصول العلمية، فتنتج عن ذلك أنهم قالوا بالفكر، قالوا بالرأي فضلوا فعلا وأضلوا، وهذا ظاهر في مدارس كثيرة تراها اليوم في كثير من بلاد المسلمين.
فإذا نظرت مثلا إلى فكر بعض الكُتّاب الذين تكلموا في أشياء من طريق الرأي وجدت أنه تفرع ونشأ عنهم مدرسة، مثل مثلا مالك بن نبي في الجزائر نتجت عنه مدرسة مالك بن نبي نتائج فكره قامت عليها دعوة بعد ذلك، تأثر به راشد الغنوشي المعروف زعيم الحركة الإسلامية في تونس -كما يقال-، وهذا حال حركة لا تعي السنن ولا تعي العلم، وإنما هي معطيات فكرية، حتى إنه قال في يوم من الأيام حينما سئل عن مطالبكم في تونس قال: مطالبنا أنْ يحكّم الشعب، قالوا: فإذا اختار الشعب الديمقراطية، قال: ليس عندنا مانع، فإذا اختار الشعب الديمقراطية فإننا نختار ذلك؛ لكن لا يجبر الشعب على اختيار لا يريده. هذا فهم للإسلام وإن كان ذلك عليه من قبله وهو أيضا عنده شبه في ذلك؛ لكنه عطاء فكري مارد ليس له من الإسلام نصيب، وتبني هذا دعوة، تبنته دعوة تبنت هذه الدعوة مواقف وتحليلات سواء في داخل بلادها أو في خارجها، وكل ذلك نتاج مفكر أو نتاج فكر سابق.
كذلك في مصر ترى أنّ كثيرا من المواقف والمفرزات مثل في انتشار الجماعات المختلفة بعد دعوة الإخوان المسلمين والجيوب التي حصلت في الجماعة واختلاف الآراء فيها، كانت نتاج كلام فكري قاله بعض المفكرين وتبنى هذا الكلام أناس فنشأت جماعات، ثم تبنى أفكار أخرى جماعات أخر فكثرت الجماعات، حتى إنه يقال إنّ اليوم بمصر نحو مائة جماعة أو اسم أو قريب من ذلك ربما للمبالغ والتكثير.
وهذا نتاج الفكر ويأتينا أنّ الفكر مفرق، الفكر لا يجمع، الفكر يفرق الناس؛ لأنه إذا كان عندي أفكار فلابد أنْ يكون ثمّ من يقتنع بهذه الأفكار فيكون هناك تفرق في الأمة هؤلاء يقتنعون بهذا الفكر.