ننظر إلى ما قاله العلماء في كلمة التفكر؛ لأن من استدل على صحة الفكر بالتفكر نقول هذا استدلال غير صحيح؛ لأنَّ التفكر الذي جاء في هذه الآيات ليس هو الفكر في الشرع، وإنما هو تفكر في آلاء الله ففرق بين الفكر في الشرع التفكر في آلاء الله، التفكر في آلاء الله؛ في مخلوقات الله هذا هو المقصود بما أمر الله جلَّ وعلا به في تلك الآيات.
أمَّا التفكر في الشرع التفكر في أحكامه فإنَّ هذا هو الذي ينتج الفكر وهذا الفكر قد يكون صحيحًا وقد يكون سقيمًا، فإن الفكر إذن الذي يقصد به حين يقال فكر إسلامي لا يقصد به التفكر في ملكوت الله ولا يقصد به النظر في الآفاق وفي الأنفس، وإنما يقصد به النظر في الشرع والنظر في أدلته والنظر في التاريخ للوصول إلى نتائج معينة وهذا غير الفكر.
ولهذا قال بعض الأدباء وكلامه كلام حسن قال: الفكر مقلوب فرك. فرك الشيء يفركه فركًا، الفكر مقلوب فرك؛ لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها، وهذا في الحقيقة تعبير صحيح وتعبير جيّد.
يخرج بالتفكر والفكر عن المدلول العصري والاصطلاحي في قولهم فكر الإسلامي.
إذن إذا كان التفكر إنما هو في الملكوت التفكر في آلاء الله التفكر في الأنفس للوصول إلى نتيجة تُقَوي الإيمان وتعظم في العبد تعظيمه لله جلَّ وعلا وخوفه منه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه والقرب من جنته والحذر والبعد من عذابه وناره فإن هذا يخالف ما يسمى بالفكر.
والفكر في الحقيقة في الاصطلاح الجديد هذا إنما هو الرأي؛ لأننا عندنا في الشرع أدلة دلت على النهي عن الرأي، فما هذا الرأي الذي حذرت منه الأدلة؟ هو في الحقيقة هو الفكر؛ لأنَّ الرأي مصدره العقل، يرى رأيًا، ومعلوم أن الرأي يكون بعد تروّ، فيرى بعد التروي، وهذا في الحقيقة هو الفكر؛ لأنه رأى بعد التروي وأصدر فكرًا أو قال فكرًا بعد أن فكَّر، فالرأي والفكر متقاربان، ولهذا جاء في النصوص النهي عن الرأي، وجاء في كلام الصحابة والتابعين كما سيأتي.
الفكر إذن رأي، وهذا أمر واضح؛ لأنه ناتجٌ عن تصرف العقل وتفكير العقل، وهكذا الرأي ناتج عن تصرف العقل وتفكير العقل.