السبب الخامس لطرح هذا الموضوع أن هذا العصر تنوعت فيه أفهام الناس، وتنوعت فيه طرائقهم في التفكير، فنتج من ذلك أنّ خطاب الناس بالفكر مهم، وطرح بعض المسائل طرحًا فكريًا في الصُحُف أو في بعض الكتيبات هذا مهم؛ لأن الناس لا يعون لغة العلم ولا يتحمسون للعمل، فإذا طرح لهم بأسلوب فكري ثقافي فإن كثيرين من المسلمين يقبلون على ذلك ويرعونه ويهتمون به، وتصلهم أفكار وتصلهم أصول بالفكر ربما لا تصلهم بالعلم؛ لعدم محبتهم للعلم أو لعدم إقبالهم عليه، وهذا يتطلب أن توضع ضوابط للمفكر وضوابط للفكر حتَّى يكون إرشاده للأمة وحتّى تكون الكتابات الفكرية منضبطة غير مخالفة لمقتضى العلم ومقتفى الكتاب والسنة وقواعد الإسلام.
نبدأ أولًا بإيضاح:
معنى الفكر
الفكر الإسلامي ما المراد به؟ ذكرنا أنه مصطلح جديد، وإذا كان مصطلحًا جديدًا فلا بد له إذن من تعريف.
عرَّفه بعضهم بقوله: إن الفكر الإسلامي هو عمل المسلمين العقلي ونَتاجهم الفكري في سبيل خدمة الإسلام بيانًا ودفاعًا.
وهذا المعرِّف لهذا التعريف جعل البيان من الفكر وجعل الدفاع من الفكر، ويعني بالبيان العلم، فجعل العلم من الفكر؛ لأن بيان الإسلام هو العلم، والدفاع عن الإسلام هذا بعض مهمات الفكر، وفسَّر قوله بيانًا بأنه المراد به بيان الإسلام، بيان الأصول، بيان التفسير، بيان الحديث إلى آخره، فجعل العلم من الفكر.
فهل يصح أن يجعل العلم من الفكر؟
آخر عرَّف الفكر بأنه: جمع الشواهد والأدلة ثم تحليلُها لخدمة الإسلام.
يعني إذا أراد أن يبحث قضية من القضايا فيجمع لها الشواهد والأدلة؛ ونعني بالشواهد والأدلة ما يشهد للغاية، فالغاية عنده معلومة، فيريد أن يجمع لها من الشواهد والأدلة ما يصحح هذه الغاية، حتَّى يدافع عن الإسلام أو يبين محاسن الإسلام أو ينصر الإسلام في قضية من قضاياه، وهذا يعني أيضًا أنه أدخل العلم في الفكر.
جمع الشواهد والأدلة ما حده؟ ما هي هذه الأدلة؟ وما هي هذه الشواهد التي توصل إلى تلك النتيجة؟!