4-وقد يكون السبب راجعا إلى ضعف بصيرته في شأن العلم، ويظنّ أن العلم نفعه قليل، وأنّ غيره من الطرق التي ربما يغشاها بعض المستقيمين أو الذين ظاهرهم الالتزام أنها أسرع في تحصيل المقصود وأنها هي التي بها يحصل المرء على ما يتمنى من رجوع الخلق إلى ربهم جلّ وعلا؛ وهذا من أسباب الانقطاع عن العلم أنه يقول: ماذا فعل العلماء؟ ماذا حصّلنا من العلم، ولكن هناك طرق أخرى كذا وكذا، هذه بها يكون المرء أكثر تأثيرا ويكون محقا للحق ومبطلا للباطل، فتنصرف نفسه عن العلم، والحقيقة أنّه فاته أنّ العلم كالماء الذي يثبت في الأرض فينفع الله جلّ وعلا به من يأتي بعد، كما مثل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي قال فيه «مَثَلُ ما بعثني الله به من العلم كمثل غيث أصاب أرضا» فالعلم الشرعي غيث، وهذا الغيث؛ الغيث نافع.
ومن فوائد الفروق اللغوية في التفسير أنّ أكثر ما يستعمل الغيث في الكتاب والسنة فيما ينفع من الماء والمطر، وأما المطر فأكثر ما يستعمل فيما يضر مما ينزل من السماء، ?وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ? (1) ?ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ? [يوسف:49] ، فالنّبي عليه الصلاة والسّلام مثّل لنا العلم بالغيث، وهذا فيه مع تتمة الحديث بأنّه أصاب أنواعا من الأرض فكانت منها أرض قبلت العلم فارتوى الناس منه وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وفيه أيضا تسميته بالغيث، والغيث يغيث الأبدان ويغيث القلوب، وهكذا العلم فإنه بهذه المثابة.
(1) الشعراء:173، النمل:58.