5-من أسباب الانقطاع عن العلم التي لمسناها في الشباب في السنين الماضية ودائما تتجدد: أنهم لا تكون صلتهم بالعلم وأهل العلم مستمرة، بل عهدهم بالعلم وأهل العلم في الدروس فقط، وما عدا ذلك فهم يصاحبون الناس من أصناف شتى، فلا تكون النفس دائما متحركة بالعلم، بل تكون تتحرك بالعلم في وقت قليل؛ في وقت الدرس، وما بعد ذلك فأكثر الحديث الذي يتحدث به ليس في العلم، هذا يجعله غير متعلق بالعلم، والعلم يحتاج إلى أن يتعلق به طالبه دائما؛ نفسُه معه في كل حال، وقد كان بعض أهل العلم ينصرف عن ملذّات الدنيا لأجل العلم؛ الملذّات المباحة من مال أومن زوجة أو من نظر مباح أو أُنْس ونحو ذلك لانشغاله به، وقد قال بعض الشعراء في ذلك من العلماء حيث أتته جارية ولم يلتفت وقد كانت حسنة الخَلْق والخُلق فقال فيها أبيات لما أتته وذكر زينتها إلى آخره فقال:
فقلت ذريني واتركيني فإنّني شغلتُ بتحصيل العلوم وكشفها
ولي في طلاب العلم والفضل والتقى غِنى عن غناء الغانيات وعَرْفِها
يعني أنّه مشغول بشيء أعظم غلب على نفسه، وهذا متى يكون؟ إذا كان المرء دائما مع العلم؛ قراءة، في صحبة من يتكلمون في العلم، في تبليغ العلم، في الكلام في العلم، في رؤية العلماء، في الحديث معهم، في سماع كلامهم تجد النفس تنشغل به، ويكون العلم طبعا له، أولا يكون تطبع يأتي بشيء من الكلفة، ثم يكون طبعا له حتى إذا تحدث حدّث بالعلم، إذا أرشد أرشد بالعلم، إذا بيّن بالعلم، فيكون في ذلك الأنس له ولا شك أنّ هذا يحتاج إلى جهاد وقد قال جلّ وعلا ?وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ? [العنكبوت:69] .
فالجهل هو ضد العلم، والجهل داء -كما قال ابن القيم- داء قاتل يقتل صاحبه من حيث لا يشعر، فيقول ابن القيم رحمه الله في نونيته:
والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في الترتيب متفقان
علم من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني
يقول: الجهل داء قاتل. لا شك قاتل لرؤية العبد لِما يجب عليه في دينه، كذلك داء قاتل للعبد في أنه يجعله ليس من الأحياء، فالعالمون أحياء وغيرُهم أموات، وسبب موتهم هو الجهل؛ لأنّ الجهل مميت مثل ما قال هنا قاتل، فكل من جهل فقد قُتل وقد مات، والجهل ليس بمرتبة واحدة بل الجهل أنواع كثيرة فكل من جهل شيئا فقد أصيبت مقاتله من الجهة التي جهل فيها، قال:
والجهل داء قاتل وشفاؤه