ذُكِر أن شابًا اسمه مُنازِل كان مُكبًّا على اللهو واللعب لا يفيق عنه، وكان له والدٌ صاحب دين، كثيرًا ما يعظ هذا الابن ويقول له: يا بني، احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألَحّ عليه زاد في العقوق، ولما كان يوم من الأيام ألَحّ على ابنه بالنصح على عادته، فمدّ الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهدًا ليأتينّ بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو على ولده، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا مَن إليه أتى الحجّاج قد قطعوا ... عَرضَ المَهامِهِ من قُربٍ ومن بُعدِ
إنِّي أتيتك يا مَن لا يُخيِّبُ مَن ... يدعوه مبتهلًا بالواحد الصمَد
هذا مُنازِلُ لا يرتدُّ من عَقَقِي ... فخذ بحقّيَ يا رحمن من ولدي
وشُلَّ منه بحولٍ منك جانبه ... يا من تقدَّس لم يولَد ولم يلِد
فقيل: إنه ما استتمّ كلامه حتى يبس شِقُّ ولده الأيمن، نعوذ بالله من العقوق.
72)حسن الخلق وأهميته:-
ليس الجمال بمئزرٍ فاعلم وإن رُدّيت بُرْدا
إن الجمال مآثرٌ ومناقبٌ أورثن حمدا
وقال يعقوب الخريمي:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخضب عندي والمحلُّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنَّما وجه الكريم خصيب
لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
وقال آخر:-
ولم أر كالمعروف أمَّا مذاقه ... فحلوٌ وأمَّا وجهه فجميل
وقال آخر:-
إذا صاحبت قومًا أهل فضل فكن لهموا كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قوم فتبقى في الزمان بلا رفيق
وقال آخر:-
من يزرع الخير يحصد ما يسرُّ به ... وزارع الشَّرِّ منكوسٌ على الرَّأس
وقال الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
ولابن دريد وقيل إنه أنشدها:
وماهذه الأيَّام معارةٌ ... فما اسطعت من معروفها فتزوَّد
فإنَّك لا تدري بأيَّة بلدةٍ ... تموت ولاما يحدث الله في غد
قال الشافعي -رحمه الله-:
المرءُ إن كان مؤمنًا ورِعًا *** أشغله عن عيوب الورى ورعُهْ
كما السقيمِ العليلِ أشغله *** عن وجع الناس كلِّهم وجعُهْ
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت الَّلئيم تمرَّدا
وقال أبو العتاهية:
عامل الناس بوجهٍ طليق ... والق من تلقى ببشر رفيق
فإذا أنت جميل الثنا ... وإذا أنت كثير الصّديق
وقال الحسن
( وإني لألقي المرء أعلم أنه ... عدو وفي أحشائه الضغن كامن )
( فأمنحه بشرا فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن )
وقال آخر:-
لا تحسبن العلم ينفع وحده مل لم يتوج ربُّه بخلاق
فإذا رزقت خليقةًمحمودة ً فقد اصطفاك مُقسم الارزاقِ
لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي )
( أعطي الحسام غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق )
( وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السر فيه ضربة العنق )
وقال ابن وكيع:
لاق بالبشر من لقيت من النا ... س وعاشر بأحسن الإنصاف
لا تخالف وإن أتوا بخلافٍ ... تستدم ودهم بترك الخلاف
وإذا خفت فرط غيظك فانهض ... مسرعًا عنهم إلى الإنصراف
إنما الناس إن تأملت داءٌ ... ماله غير أن تداويه شافي
وقال آخر:-
الق بالبشر من لقيت من الناس ... جميعا ولاقهم بالطلاقة ...
تجن منهم حنى ثمار فخذها ... طيبا طعمه لذيذ المذاقه
وقال حبيب الطائي:
إذا جاريت في خلق دنيّا ... فأنت ومن تجاريه سواء
وقال المرّار بن سعيد:
إذا شئت يومًا أن تسود قبيلة ... فبا لحلم سد لا بالسّفاهة والشّتم
وقال آخر:-
إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها )
( والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها )
( والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها )
( والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها )
( والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها )
وقال آخر:-
وإنما الامم الاخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وقال آخر:-
إذا لم تتسع أخلاق قومٍ تضيق بهم فسيحات البلاد ِ
إذا المرء لم يُخلق لبيبًا فليس اللبُّ عن قِدم الولادِ
وقال آخر:-
وإذا أُصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتمًا وعويلا
وليس بعامرٍ بنيان قومٍ إذا أخلاقهم كانت خرابا
وقال آخر:-
فتى مثل صفو الماء أما لقاؤه ... فبشر وأما وعده فجميل ..
.يسرك مفترا ويشرق وجهه ... إذا اعتل مذموم الفعال بخيل ..