إذا السر والإعلان في المؤمن استوى فقد عز في الدارين واستوجب الثنا
فإن خالف الإعلان سرا فما له على سعيه فضل سوى الكد والعنا
فما خالص الدينار في السوق نافق ومغشوشه المردود لا يقتضى المنا
55)ذا الوجهين:-
قل للذي لست أدري من تلونه ... أنا صح أم على غش يناجيني )
( إني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشح وأخرى منك تأسوني )
( تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكل عنك يأتيني )
( هذان شيئان قد نافيت بينهما ... فأكفف لسانك عن شتمي وتزييني )
وقال آخر:-
ويوم كأخلاق الملوك تلونا ... فصحو وتغييم وطل وابل )
( أشبهه إياك من صفاته ... دنو وإعراض ومنع ونائل )
56)النميمة:-
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه )
( كالسيل بالليل لا يدرى به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأيته )
( الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفنيه )
وقال آخر
( يسعى عليك كما يسعى إليك فلا ... تأمن غوائل ذي وجهين كياد
تنحّ عن النميمة واجتنبها فإن النم يُحبطُ كلَّ أجرٍ
يُثير أخو النميمةِ كلّ شر ويكشف للخلائق كل سرٍ
ويقتل نفسه وسواه ظلمًا وليس النمُّ من أفعال حر
وقال آخر:
ولا تقل الصبا فيه مجال وفكركم صبي قد دفنتا
تفر من الهجير وتتقيه فهلاَّ من جهنم قد فررتا
وقال آخر:-
وصاحب النمِّ كالداء العياء إذا ما ارفض في الجلد هاهنا وهنا
يبدي ويخبر عن عورات صاحبه وما يرى عنده من صالحٍ دفنا
57)الغيبة:-
( إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا )
( صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا )
ولم يرخّص العلماء في شيءٍ من الغيبة سوى ستّة صُوَرٍ مستثناةٍ من التحريم للحاجة إليها في جلب المصالح ودرء المفاسد، وقد أحسَن من نظَمَها في قوله:
القدْحُ ليس بغيبة في ستة: ... متظلمٍ ومعرِّف ومحذر
ومجاهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومَن ... طلب الإعانة في إزالة مُنكرٍ
58)الحياء:-
قال حبيب بن أوس:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا واللّه ما في العيش خيرٌ ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاء
وقال أبو دلف العجلى:
إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا ... ولم ترع مخلوقًا فما شئت فاصنع
وقال صالح بن جناح:
إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
وقال أمية بن أبي الصّلت في ابن جد عان التيمى:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
كريمٌ لا يغيّره صباحٌ ... عن الفعل الجميل ولا مساء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء
وقال آخر:-
( إذا رزق الفتي وجها وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاء )
ولم يك للدواء ولا لشيء ... يعالجه به فيه غناء ...
فما لك في معاتبة الذي لا ... حياء لوجهه إلا العناء
وقال آخر:-
ورُب قبيحةٍ ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياء
فكان هو الداء لها ولكن إذا ذهب الحياء فلا دواء
وقال آخر:-
هب البعث لم تأتنا رسله *** وحاطمة النار لم تضرم
أليس من الواجب المستحق *** حياء العباد من المنعم
59)الدنيا والزهد فيها:-
بكيتُ على الشباب بدمع عيني فما نفع البكاءُ ولا النَّحيبُ
فيا أسفًا أسفتُ على شبابٍ نعاه الشيبُ والرأس الخضيبُ
عَريتُ من الشباب وكان غضا كما يَعْرَى من الورق القضيبُ
ألا ليت الشبابَ يعود يوما فأخبره بما فعل المشيبُ
وقال آخر:-
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فطوبى لعبدٍ آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
خَلِّ دُنْيَاك إنَّهَا يَعْقُبُ الْخَيْرَ شَرُّهَا هِيَ أُمٌّ تَعُقُّ مِنْ نَسْلِهَا
مَنْ يَبَرُّهَا كُلُّ نَفْسٍ فَإِنَّهَا تَبْتَغِي مَا يَسُرُّهَا وَالْمَنَايَا تَسُوقُهَا وَالامَانِي تَغُرُّهَا
فَإِذَا اسْتَحْلَتْ الْجَنَى أَعْقَبَ الْحُلْوَ مُرُّهَا يَسْتَوِي فِي ضَرِيحِهِ عَبْدُ أَرْضٍ وَحُرُّهَا
وقال آخر:-
ما دار دنيا للمقيم بدار
وبها النفوس فريسة الأقدار
ما بين ليل عاكف ونهاره
نفسان مرتشفان للأعمار
طول الحياة إذا مضى كقصيرها
واليسر للإنسان كالإعسار
والعيش يعقب بالمرارة حلوه
والصفو فيه مخلف الأكدار
وكأنما تقضي بنيات الردى
لفنائنا وطرًا من الأوطار
ويروقنا زهر الأماني نضرة
هدم الأماني عادة المقدار
والمرء كالطيف المطيف وعمره
كالنوم بين الفجر والأسحار
خطب تضاءلت الخطوب لهوله
أخطاره تعلو على الأخطار
تلقى الصوارم والرماح لهوله
ونلوذ من حرب إلى استشعار
إن الذين بنوا مشيدًا وانثنوا
يسعون سعي الفاتك الجبار
سلبوا النضارة والنعيم فأصبحوا
متوسدين وسائد الأحجار