(( فيقول ربي أكرمن ) )وعزني فلولا ما أنا فيه من الخير لما فجر الله لي خيرات الأرض ولما كنت أغنى من غيري, فإني مكرم وأنا على طاعة, ونسمع هذا من كثيرين يقولون: نحن على طاعة ولذلك فإن الله أعطانا هذه الأموال وجعلنا في أمن وأمان, ونسى هؤلاء أن الله يمكن أن يستدرج بالنعماء (( فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) ), والبلاء يمكن أن يكون بالنعماء, ويمكن أن يكون بالضراء (( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) ) (( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) )فقدّر أي ضيق عليه رزقه.
وأما إذا ما اختبره وامتحنه فضيق عليه رزقه فجاءه المصيبة من كل مكان وجاءت البلايا وهو في طاعة وخير (( فيقول رب أهانن ) )وليس الأمر كذلك فليس في سعة الرزق دليل على المكرمة, وليس ضيق الرزق دليل على المهانة, وإنما الله سبحانه وتعالى يقسم الأرزاق بين العباد (( فيقول رب أهانن كلا ) )أي ليس حقًا أو ردع وزجر لهذا الإنسان الذي يظن هذا الظن (( كلا ) )أيها الإنسان الذي تظن أن الله يمنعك عنك المال لأنه أهانك أو يعطيك المال لأنه أعزك وأكرمك (( كلا بل لا تكرمون اليتيم ) ).
في الحقيقة أنتم إذا جاءكم المال لا تستعملون هذه الأموال فيما أباح الله ولا تضعون هذه الأموال في حقها (( كلا بل لا تكرمون اليتيم ) )يمر أحدكم بماله على اليتامى فلا يتصدق عليهم ولا يبحث عن اليتامى فينفق عليهم (( كلا بل لا تكرمون اليتيم ) )ذلك الذي فقد أباه وأصبح بحاجة إلى من يعوله (( ولا تحاضون على طعام المسكين ) )أي لا يوصي بعضكم بعضًا بالإطعام, وإنما ترى بعض الناس يوصي بعدم الإطعام فإذا أراد أن ينفق أحد من الناس أو إذا دعى بعض الناس الناس للإنفاق أحجموا ومنعوا وصدوا عن الإنفاق في سبيل الله تعالى, لا يحض بعضكم بعضًا على طعام المسكين, لا يأتي أحدكم إلى أخيه فيقول: يا فلان هناك مسكين في مكان كذا وكذا, وهناك محتاج, وهنا مسلمون يتضجرون جوعًا فأنفق من مالك, وإنما يتحاضون على الإمساك والشح وعلى البخل (( ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلًا لمّا وتحبون المال حبًا جمًا ) )يجمع من هنا وهناك فيأتي إلى الميراث إلى ميراث الضعفاء واليتامى الذين لا قدرة لهم فيحوي هذا الميراث بغير حق, يجمعه, يلمّه لمًّا من كل جهة, فلا يلتفت إلى حرام أو إلى حلال, ويضع أمواله في البنوك الربوية يقول ربي أكرمني.
(( وتأكلون التراث ) )أي الميراث (( أكلًا لمًا وتحبون المال حبًا ) )جمًا حبًا طاغيًا كثيرًا فيقول سبحانه وتعالى: (( كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا وجاء ربك والمَلك صفًا صفًا ) )جاء ربك لفصل القضاء والملائكة من حوله تحف بعرشه سبحانه وتعالى في موكب عظيم رهيب يقدم الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء (( وجئ يومئذ بجهنم ) )لها سبعون ألف زمام, لكل زمام سبعون ألف ملك يجرونها (( وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان ) )الإنسان الذي كان يظن أن كثرة ماله دلالة على إكرام الله له, الإنسان الذي مات وهو يحسب بأنه قد أحسن صنعًا عند الله وبأن له الفردوس الأعلى, وبأن له الجنة, وبأنه لن يعذب أبدًا, هذا الإنسان إذا رأى الجحيم, إذا رأى الله عز وجل قد قدم لفصل القضاء ورأى جهنم تزفر فإنه يتذكر تفريطه ومعاصيه واحدة واحدة لأن الأعمال تعرض عليه منسوخة (( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) )يتذكر وهل تنفع الذكرى, لا والله, قد مضى عهد الذكرى, كان عهد الذكرى في الدنيا (( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) ).
هذا في الدنيا أما في الآخرة, فكل إنسان سواء كان بارًا أو فاجرًا يتذكر, (( وأنى له الذكرى ) )وكيف تنفعه الذكرى وماذا ستنفعه هذه الذكرى (( يقول يا ليتني قدمت لحياتي ) )ليتني عملت عملًا أدخره لهذا اليوم فهذا اليوم هو الحياة, وقد ظننت أن الحياة هي الدنيا ونسيت أن الدار الآخرة هي الحيوان, هي الحياة الحقة, (( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعملون ) )يا ليتني قدمت لهذه الحياة الأبدية (( فيومئذٍ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) )يوم القيامة لا يعذب عذاب الله سبحانه وتعالى أحد, لا يستطيع أحد أن يعذب كعذاب الله, فعذاب الله سبحانه وتعالى قمة في الألم, وقمة في العذاب كما أن نعيمه سبحانه وتعالى قمة في السعادة (( لا يعذب عذابه أحد ) )هل يستطيع أحد ممن يعذبون العباد في الدنيا أن يجعلوا لمعذبيهم جلودًا غير جلودهم, هل يستطيع أحد ممن يعذبون في الدنيا أن يعذب أحدًا عذابًا شديدًا على مدار الحياة كذلك العذاب الذي في الآخرة ولا يموت, هل لأحد من أهل الدنيا الذين يعذبون العباد بغير حق يمتلك نار كنار الله سبحانه وتعالى؟ لا والله الذي لا إله إلا هو, (( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) )ولا يستطيع أحد في الدنيا أن يوثق وثاق الزبانية زبانية العذاب الذين على جهنم (( خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا فاسلكوه ) )هل يستطيع أحد أن يفعل هذه الأفعال,