الصفحة 348 من 733

(( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ) )نداء إلى النفس الطيبة الطاهرة, نداء إلى هذه النفس التي صبرت في الدنيا (( ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) )أي أيتها النفس المطمئنة, دعوة من الله سبحانه وتعالى لنفسك الطيبة أن تدخل في عبادة الله أن تكون عبدًا لله تعالى, فكثير من العباد ينسون أنهم عبيد لله يتصرف في الدنيا وكأنه سيد على ماله, وكأنه سيد في هذا الوجود, ونسى أنه عبد لله (( فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) )فإنه من دخل في عبادة الله دخل جنة الله تعالى, روى الهروي بسنده عن رجل يقال له ابن أبي هاشم قال: أُسرت في بلاد الروم فجاءنا الملك, ملك الروم فأمرنا أن نرتد عن ديننا فارتد ثلاثة وكنت منهم وجيء بالرابع فطلب منه أن يرتد فأبى فقطع رأسه ورمي في النهر فغاص رأسه بالدم في النهر حتى رسب ثم صعد وتكلمت الرأس فقالت: يا فلان, ويا فلان, ويا فلان يناديهم بأسمائهم (( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) )فاضطربت النصارى وسقط كرسي الملك وكادت النصارى أن تسلم وعاد الثلاثة إلى الإسلام, وجاء الفداء من قبل الخليفة أبي جعفر المنصور.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضى، والقصد في الغنى والفقر. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمرنا، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد... اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

الروضة الثانية والعشرون

وقفات مع سورة الحجرات

الحمد لله رب العالمين ، قيّوم السموات والأرضين ، مدبّر الخلائق أجمعين ، باعث الرسل - صلواته وسلامه عليهم - لهداية الناس وبيان شرائع الدين ، وأيّدهم بالدلائل القطعية وواضحات البراهين . أحمده على جميع نعمه ، وأسأله المزيد من فضله وكرمه . وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار ، الكريم الغفار ، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ، ومصطفاه وخليله . صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه ما تعاقب الليل والنهار .

عباد الله اتقوا الله حق التقوى وبعد سنعيش واياكم مع مع سورة مباركة فيه ما يجب أن يتحلى به المؤمن من مكارم الأخلاق وفضائل العادات ، في علاقته بربه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم مع الوالدين والعلماء وذوي السابقة في الجهاد والعمل الصالح ، ثم مع عامة المؤمنين في غيبتهم وحضورهم ، ومع فسقة الخلق وفتّانيهم ، ثم مع بني جنسه من كافة الأعراق والألوان والمعتقدات .

لقد خاطب البارئ عزّ وجل المؤمنين في هذه السورة خمس مرات بقوله (( يا أيها الذين آمنوا ) )، في كل نداء من هذه النداءات توجيه إلى مكرمة خلق ينبغي التحلي به ، ثم خاطب في المرة السادسة عموم الخلق بقوله (( يا أيها الناس ) )ليرشدهم إلى طريقة تحفظ أمن الجميع وسلامتهم وتعاونهم على البر والتقوى .

أولًا

أدب التعامل مع الله ورسوله عليه الصلاة والسلام:

قال الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) )الحجرات 1.

نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب . واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به , وتشعرهم بأنهم له , وأنهم يحملون شارته , وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده , وأنهم هنا لأمر يقدره ويريده , وأنه حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم اختيارا لهم ومنة عليهم , فأولى لهم أن يقفوا حيث أراد لهم أن يكونوا , وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره , يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم , ويسلم ويستسلم:

(يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله , واتقوا الله إن الله سميع عليم)

يا أيها الذين آمنوا , لا تقترحوا على الله ورسوله اقتراحا , لا في خاصة أنفسكم , ولا في أمور الحياة من حولكم . ولا تقولوا في أمر قبل قول الله فيه على لسان رسوله , ولا تقضوا في أمر لا ترجعون فيه إلى قول الله وقول رسوله .

وقد قرن الله عزّ وجل في هذه الآية نفسه برسوله عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ الوحيد عن ربه ، ونبّه المؤمن إلى أنه دائمًا في حضرة ربه (( وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) )الحديد 4 ، وعليه احترام الرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأوامره ؛ لأن ذلك من صميم تقوى الله وهذه التقوى تقتضي الالتزام بأمور منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت