الصفحة 346 من 733

فكذبوه وعاندوه, ويذكر الله سبحانه وتعالى لنا قوتهم حتى نعلم نحن الضعفاء بأننا لا نقوى على محاربة الله عز وجل ولا نقوى على عصيانه وغضبه وسخطه قال سبحانه: (إرم ذات العماد) قيل: خيامهم الذين كانوا يرتحلون فيها, وقيل: هي أجسامهم التي كانت كالعمد, وقيل: هي مملكتهم التي كانت ذات أعمدة عظام, فيذكر الله سبحانه وتعالى لنا هذه القوة, والراجح أن المراد بذات العماد هي مملكتهم التي كانوا يسكنونها ويقتنونها (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) هي القبيلة على الراجح التي لم يخلق مثلها في أشكال أفرادها, وفي قوتهم, وفي تركيباتهم الجسمية, لم يخلق مثلها في البلاد في زمانهم, فكانوا أقوياء أشداء, وكانوا يغيرون على القبائل الأخرى فينهبونهم ويسلبونهم ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد) أي جابوا الصخر ونحتوه كما قال عز وجل عنهم: (وينحتون من الجبال بيوتًا فارهين) يخرقون الجبال فيجعلونها مغارات ومساكن, انظروا إلى مساكنهم في وادي القرى في مدائن صالح, فالجبل قد تحول إلى قصر, والجبل قد تحول إلى مغارة, وذلك من قوتهم وعظمتهم.

(( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذو الأوتاد ) )صاحب العمد العظيمة, كان يتخذ أوتادًا وعمدًا يربط فيه الناس فيجعل على ظهر الواحد بعد أن يربطه ويمده مدًا فيضربه بصخرة, أو رحى فيموت على ذلك, أو يجعل على أطراف الرجال أعمدة ثم يأمر بالخيل فتجر هذه الأعمدة فيتقطع الرجل أوصالًا.

(( وفرعون ذي الأوتاد ) )وقيل الأوتاد هي تلك البنايات العظيمة التي خلفها الفراعنة التي هي الأهرامات, (( الذين طغوا في البلاد ) )اشتركوا في هذا أنهم جميعًا طغوا, والطغيان يؤدي إلى الفساد؛ لأن المرء إذا طغى حسب نفسه أعظم مما هو عليه, وانتقل من مكانة العبودية إلى مكانة الألوهية كما قال فرعون: (( ما علمت لكم من إله غيري ) ), (( أنا ربكم الأعلى ) ) (( طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ) )من الشرك بالله, ومن قتل العباد وسفك الدماء فأكثروا فيها الفساد, فهل كان الله عز وجل عنهم غائبًا؟ بل كان عز وجل عليهم شاهدًا حاضرًا فقال سبحانه وتعالى: (( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) )انظر إلى هذا التعبير القرآني, صب, أرسل الله عز وجل عليهم العذاب طغيانًا كما أنهم طغوا وتكبروا, سوط عذاب, عذاب لازع فجمع الله عزوجل كثرة العذاب مع أمله وشدته (( فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد ) )إذا قال القائل قد أهلك الله عز وجل عاد بالريح الصرصر العاتبة, قال سبحانه وتعالى: (( الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) )هؤلاء هم ثمود وعاد, أما فرعون (( وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ) ) (( فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ) ).

إذا كان هذا عذاب الأمم الماضية, فماذا عن أحوال الأمم الآتية؟ وماذا عن الأمم الذين في زماننا الذين يسومون المسلمين سوء العذاب في البوسنة والهرسك, في بلاد الهند, وفي بورما وأرتيريا, وفي فلسطين, ماذا لليهود؟ وماذا للبوذيين, وماذا للسيخ وماذا للنصارى الصليبين, قال سبحانه وتعالى: (( إن ربك لبالمرصاد ) ), فالله سبحانه وتعالى يرصد أعمالهم كما قال ابن عباس, يرصد خلقه فيرى أعمالهم خيرها وشرها ثم يحاسبهم بعد ذلك سبحانه وتعالى (( ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ) ).

فاتقوا الله عباد الله وراقبوا أعمالكم واعلموا أن الله سبحانه وتعالى يرصد أعمالكم رصدًا فهو القادر على كل شيء وهو الذي لا يغيب عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه واشهد ان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الداعي إلى رضوانه وعلى اله وصحبه وجميع أخوانه

وبعد

إن الله سبحانه وتعالى كما قال عن نفسه: (( إن ربك لبالمرصاد ) )يرصد الأعمال فلا يعذب أحدًا بغير ذنب, إنما يستعمل الله تعالى عدله فقد حرم على نفسه الظلم, أما الإنسان فإنه يظلم نفسه, ويجور فيما هو فيه, ولذلك قال سبحانه وتعالى عن الإنسان الجائر الظالم: (( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ) )إذا جاءه النعماء من كل جانب وأرسل الله عز وجل عليه خيرات الأرض, وكان في سعة من الولد والمال والأهل والعشيرة والبلد فإنه يغتر ويظن أنه مكرم عند الله عز وجل ونسى أن الله عز وجل يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين والآخرة إلا لمن يحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت