وثمة شريحة تأتي مضطرة للحضور ، وليس عندها نية الإصغاء التام ، وقد أهمتهم دنياهم ، وأنكتهم جراحهم ، فتأمل مثل ذلك من فقاهة الخطيب ، حيث ينوِّع الأحاديث ، ويراعي جميع الطبقات ، ويخفف أحيانًا ، ولا يطيل ويميل ، ويقرأ إقبال الناس وإدبارهم ، وفرحهم وحزنهم ، وقربهم وتباعدهم ، قال سهل بن هارون (سياسة البلاغة أشد من البلاغة) ولا ينسى أن يجعل من مواعظه جسورًا لنفعهم وخدمتهم والتودد إليهم ، فنحن دعاة ، وليس قضاة ، وأقارب وليس أباعد .
قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83] .
وكلما كانت الخطبة المبنية ، في سياق أدبي لطيف محبَّب جذبت ، وكانت لافتة ، مع استصحاب قوة الانسجام بين ملقيها ومعانيها ، وصدق إيمانه بما يقول ويدعو الناس إليه .
قال مالك بن دينار رحمه الله:
(إن العالم إذا لم يعمل بعلمه ، زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا) (الحلية 6/288) .
وأولى معاني الإيمان والإقتناع بالقول هو العمل والمبادرة ، وحسن السمت والهدي ، وإلا كان العمل مهينًا والتأثير محدودًا !
الوعي الجماهيري
ربما أفلح عدد من الخطباء في صناعة الوعي الشرعي لدى الحاضرين ، وزاد عليه وعيهم أخلاقيًا ، ووعيهم اجتماعيًا وهذا شيء حسن وجميل .
ولكن قد يهمل ، ويتساهل في صناعة (الوعي الفكري) لديهم ، فإنهم في أزمة حضارية ، وأمام تسلط دولي ، وحرب ضروس تتناول مجالات شتى في الحياة ، وأنه يُراد لهذه الأمة التقهقر والتخلف ، ومزيد التباب والانحطاط ، وأن تكون مرتعًا لكل الجرائم الفكرية ، والأسقام الأخلاقية، التي تشعرهم بالانهزام والمهانة ، والرضى بالدون واليسير، فيتحطم شموخها الديني ، ويتقاعس شبابها وتتبخر طاقاتها ، وتلهو قاماتها، ويشتغل مثقفوها بالقضايا الهامشية ، والمسائل العلمية التي لا تحسِّن حالًا ، ولا تغير واقعًا ، ولا تدفع بهم للرقي الثقافي على مستوى العلوم الشرعية فضلًا عن العلوم الحياتية ، والفنون المستجدة ! وتبيت خطبة الجمعة جارية في سياق التنمية الروحية ، والتطوير الشرعي ، دون أن تكون ذات دوافع فكرية لكشف البعد الحضاري للأمة ، وأنها أمة القيادة ، وموطن الريادة، وأنها المرتقبة لتخليص الإنسان ، وانتشاله من عبودية الشهوات ، وسيطرة القيم المادية عليه . قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [ آل عمران: 110 ] .
فلابد للخطيب مهما تعذر بأعذار سائغة أو غيرها ، أن يجدِّد الوعي الفكري في حياة الأمة ، وأن يصنع (بارقة الأمل) ، ويُهيأ رايات البذل والعمل ، ويشعل روح المبادرة الذاتية ، في حس كل مسلم يصغي لخطابه، وأن المرامَ من الخطبة ، ليس مجرد تحسين الصلاة أو بذل الصدقات ، بل المراد تحسين الصلاة في كل أرجاء المعمورة ، وإيصال الصدقات إلى كل مناطق العالم الإسلامي المتضرر، حيث يتولد الشعور الأممي ، وترتقي الصلاة بمحاسنها التي تورث تزكية النفس ، وكفها عن كثير من الأدران والمساوئ البشرية .
ومن وعي الخطيب ، تنويع الموضوعات، ومراعاة الطبقات وأن يجعل للخطاب العقلي والمسار الفكري شيئًا من حديثه ، ليبني العقل، ويصحح المفاهيم ، ويخطو بالمستمعين خطوات جوهرية ، لخدمة دينهم وأمتهم .
ومن غير ذلك لن تتجاوز الأمة نقطتها ، ولن تتحرر من رقها ، وستبقى في ضعفها وانكماشها ..
والله المستعان ،،
تحديث الموضوع
ثمة موضوعات تقليدية ذات أهمية كبرى، اتسعت جوانبها في الحياة ، وصار لها آثار إيجابية وعكسية ، ليس من الحكمة والدقة تناولها من رؤية محدودة ، أو تصور قديم ، بل لابد من تحديثها بفهم الآثار المعاصرة ، وما ورد عليها من تغيرات ، وارتباطات .
فمن يتحدث ـ مثلًا ـ عن (الشفاء بالقرآن) ، ما ينبغي أن يهمل تردي البشرية روحيًا ، واتساع مجالات الطب النفسي في المجتمعات المنحرفة عن المنهج ، والمفلسة إيمانيًا ، وتأييد ذلك بأحجام المنتحرين سنويًا ، لا لمصيبة ، ولا أزمة ، سوى (أزمة الروح) ، وفقدان حلاوة الإيمان ، وسر تأثير القرآن .
ومن يتناول موضوعًا جليلًا كالنكاح وفضائله يعتبر مقصرًا إذا ناقشه بعيدًا عن مصائر الأمم التي سرحت لشهواتها العنان ، وابتليت بالأسقام التي لم تكن في أسلافهم من الإيدز والهربز ، وما يجليها من إحصاءات فاتكة وأرقام خطيرة ، تزيد من الحس الشرعي تجاه الفواحش، وانضمام الطب الحديث كبرهان جديد على ذلك .
ومن يتحدث عن الحجاب وحكمه ، وأنه خلق الفضيلة ، ليس له أن يتجاهل مملكة السفور الفضائية ، وآثار الاختلاط وما تصنعه وسائل الإعلام من ترويج أحوال الغرب الاجتماعية والانعكاسات الخطيرة لذلك كله .