تعزيز مكانة المنبر وهيبته ، لا سيما عند من يهينه ويبتذله .
الانتهاء من الخطب المتوالية ، عبر السنين، إلى إجراءات عملية ، وتحركات إصلاحية، بما يعني تحويل الكلمات إلى سلوكيات ، وتصديق الأقوال بأعمال ، وقدوات مضيئة ينتفع بها الأجيال ، وهو ثمرة العلم الزاكية، وقطاف النصيحة التي تكلل بالصدق والنجاح والمسئولية .
والله الموفق
الخطيب اللحان
ونقصد باللحن هنا الخطأ النحوي ، الذي يعكر الكلمة ، ويفسد الذوق ويصم الآذان ، وليس اللحن الذي هو الصوت والطرب كما هو مشهور .
والخطيب اللحان مسيء لنفسه ، مفسد لموضوعه ، خارق لجده وتأثيره ، ومنفر للناس !
قال يونس بن حبيب (ليس لعيّ مروّة ، ولا لتارك الإعراب بهاء ، وإن حكَّ بيا فوخه عَنَان السماء) ، واليافوخ: وسط الهامة (البيان والتبيين 1/55) .
وقيل للحسن: (إن إمامنا يلحن ، فقال: أخّروه) .
وإنما يأتي اللحن وتبديل منطق الكلام من ضعف بناء الخطيب النحوي ، واستهانته بقواعد اللغة العربية ، وولوجه مزاهر الحديث دون إصلاح منطق ، وتقويم لسان !! وسببه الارتجال المشوش ، والانهماك في الفكرة وتجاهل عقول السامعين ، حتى يصبح ذلك عادةً ذميمة فيه ، لا يلوي على غيرها ، ولا يطمع في إصلاحها ، فيغدو اللحن مستكثرًا معه فيكون (متحدثًا لُحَنةً) يخطئ في الدقيقة الواحدة عشرات اللحونات، وهذا شيء شنيع لا يسوغ السكوت عنه . وقد تساهل الناس في العصور المتأخرة ، لا سيما أهل زماننا في النحو وحذقه وضبطه ، وجوزوا للحانين صعود المنابر ، وتسنم المناصب العلية ، الذي يتحدث فيه بعضهم ، فتكون ألحانه ، أكثر من صواباته وهذا أمر فريّ ، وداء عري، يُسئ للدعوة والمنابر ، وأرباب العلم والثقافة !!
والله يقول في القرآن الكريم: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) [الشعراء: 195] وأي إبانة يحملها الخطيب اللحان ؟!!
والمتعين علينا كخطباء ، تعلم النحو وضبطه ، ومجاهدة النفس في ذلك ، ولو مع الصعوبة والكِبَر ، والفرص كثيرة للعلم والمعالجة ، المهم الجد وبذل الوقت والبدء بالمختصرات .
وقد جاء عن ابن المبارك (اللحن في الكلام كالجدري في الوجه) .
والخطيب الكثير اللحن يقدم لك الفاكهة الرطيبة في طبق متسخ ! هل يأكلها الناس ؟!
ومع ذمنا للحن ، لا ندعي سلامة النفس منه ، بل يقع فيه حتى أفاضل العلماء ، وبصراء المتحدثين ، ولكن يجب التقلل منه ، وأن تقع في كل عشرين كلمة ، وليس في كل ثلاث كلمات .
ومن الضروري في امتحان الخطباء ، وبعد امتحانهم سلوكيًا وفقهيًا (امتحانهم نحويًا) ، والإصغاء لقولهم ومنطقهم ، حتى لا يقدم إلا المستحق ولا يصح إلا الصحيح .
وما أجملَ ما أنشده أبو العباس المبرِّد:
النحوُ يبسُطُ من لسان الألكَن ... ...
والمرء تُكرمه إذا لم يلحنِ
وإذا أردتَ من العلوم أجلَّها ... ...
فأجلُّها علم مقيم الألسنِ
والآثار التي يتركها اللحان على خطبته ، وعلى أسماع الناس وأذواقهم ومستوى الدعوة، والمناخ العام ، جديرة أن تدفعه إلى التعلم، أو ترك المنبر للفاضل والمتقن ، لأنها وسيلة الجناح ، كثيرة الأتراح ليس هذا موضع تفصيلها .
وهو متمانع مع ما ينبغي في فصاحة الخطبة ، وبلاغتها التي لا تظهر مع اللحن والخطأ .
قال بعضهم:
خطباءُ حين يقوم قائلهم ... ... ...
بيضُ الوجوه مَصاقِع لُْسُ
أي بلغاء فصحاء .
جاذبية الخطبة
لما كانت الخطبة حلقة وصل بين المتحدث ومستمعيه ، ونافذة الأسبوع وينبوع الهداية المتجددة ، وشرط صحة الصلاة ، حرَص كثير من الخطباء على لونها الفني ، وانضباطها الفقهي الذي يجعلها شرعية صحيحة تبرأ بها الذمة ، وتناسوا جاذبيتها الباعثة على العمل والمبادرة والفاعلية . كم من الخطب تُلقَى هذه الأيام ؟! وكم من مفوه ومثقف يزمجر كل أسبوع ، ويصدح كل حين؟! ولكن الآثار محدودة ، والنتائج ضيئلة.
إن مهارة الخطيب الكلامية ونضجه الفقهي ، لا يوفر له ضمان الجاذبية وإيصال الرسالة من الزمجرة الأسبوعية ، والصراخ الشهري فحسب ، بل لابد أن يكون في الحسبان صلاح الحال ، والدعوة بالقدوة الحسنة ، وتلطف الخطاب ، وترك التعيير والتهديد ، والظهور بمظهر التواضع والإشفاق (واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: 88 ] .
وملاحظة إقبالهم نفسيًا وعقليًا وتلمس جراحهم وشئونهم ، ولا سيما والحضور زاخر، وكل يلتمس ما يلين به قلبه ، وتبسم به روحه ، ويحل له مشكلته .
فالمثقف يريد الموضوعات الفكرية والتربوية ، والعامي يشتهي إيمانيات ، وما يغذي به خيره وصلاحه ، وفي العامة التاجر الراغب في نقد المتلاعبين بحقوق الناس ، والعامل الذي يغشه كفلاؤه ، وصاحب المظلمة الذي يصطلى بحرها ، ويتصور انتشار الطغيان والفساد في الأرض .