وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا ضب لاتبعتموهم، قلنا يهود والنصارى؟ قال: فمن؟ )) [1] .
وقد يصل الأمر إلى الظهور بهذه الأشكال أمام الآباء والأمهات الذين يدعون الدين والتدين ويتظاهرون بالإسلام، دون أن تتحرك عواطفهم بالاستنكار أو تهتز أفئدتهم بالسخط، أو ينطق لسانهم بالنصح أو بالوعظ أو بالإرشاد وإن أنكر أحد الآباء على بعض ولده، ووجهه إلى الصواب فربما أعرض الولد، ولم يستجب، وما ذلك إلا من التقصير في التربية على خلق الإسلام وسلوكه.
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ) ) [2] فهذا الابن الذي رعاه أبوه صغيرا، وسهر عليه الليل والنهار، وكد وكافح في سبيله وسعى وسكب له القوت، وجمع له المال الحلال أو الحرام لتربيته وتنشئته ليراه غرسة من بعده، أصلها ثابت و فرعها في السماء، ويأمل أن يكون ابنه ذكرا طيبا له، وامتدادا لحياته، إذ يخيب ظنه به ويفقد رجاءه في سلوكه، ويصبح الوالد في واد فكري وديني واجتماعي ويعيش الابن في واد آخر، وتنقطع الصلة بينهما، فيصدق على هذا الابن وصف القرآن الكريم {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] .
ويعيش الآباء في صراع عنيف، بين الاعتزاز بالأبناء في تحقيق الآمال والأحلام، وبين الاستنكار من أعمالهم، وتتكرر الصورة العجيبة التي يراها الإنسان في مجتمع اليوم، وهي من صور التناقصات التي يعيشها المسلمون في ديارهم وأوطانهم، وهذه الصورة ذات وجهين:
(1) رواه البخاري ومسلم وابن ماجه وأحمد عن أبي سعيد، ورواه الحاكم عن أبي هريرة (الفتح الكبير(3/ 8) .
(2) أبو داود عن عبد الله بن عمرو كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم حديث رقم 1692، وقال السيوطي حديث صحيح.