ما عدا أشهب، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة، وقول أبي عبيدٍ. ووجه المنع أنّ الزّكاة لِحقّ اللّه تعالى، فلا يجوز للإنسان أن يصرفها إلى نفع نفسه أو إحياء ماله، واستيفاء دينه.
وذهب الشّافعيّة في قولٍ وأشهب من المالكيّة وهو منقول عن الحسن البصريّ وعطاءٍ: إلى جواز ذلك; لأنّه لو دفع إليه زكاته ثمّ أخذها منه عن دينه جاز، فكذا هذا. فإن دفع الدّائن زكاة ماله إلى مدينه فردّها المدين إليه سدادًا لدينه، أو استقرض المدين ما يسدّ به دينه فدفعه إلى الدّائن فردّه إليه واحتسبه من الزّكاة، فإن لم يكن ذلك حيلةً، أو تواطؤًا، أو قصدًا لإحياء ماله، جاز عند الجمهور، وهو قول عند المالكيّة. وإن كان على سبيل الحيلة لم يجز عند المالكيّة والحنابلة، وجاز عند الشّافعيّة ما لم يكن ذلك عن شرطٍ واتّفاقٍ، بل بمجرّد النّيّة من الطّرفين. لكن صرّح الحنفيّة بأنّه لو وهب جميع الدّين إلى المدين الفقير سقطت زكاة ذلك الدّين ولو لم ينو الزّكاة، وهذا استحسان [1] .وحكم الحالة الثانية:
أن الحنفية لا يجيزون دفع المنفعة بدلا من أموال الزكاة، لأن الزكاة يجب أن تكون مالا، والمنفعة عندهم ليست مالا كما تقدم، لأن المال عندهم ما أمكن ادخاره، وهذه لا يمكن ادخارها، فلا تكون مالا، فلا تجزئ في الزكاة، وعليه فلو غصب إنسان دار إنسان وسكنها سنين ثم ردها إليه فلا يضمن الغاصب أجرتها عن السنين الماضية عندهم، إلا أن تكون معروضة لإيجار قبل الغصب، فيضمن الغاصب في هذه الحال أجرتها مدة غصبها، باعتبار أنه مستأجر لها بذلك الغصب بطريق المعاطاة حكما، وكذلك عقار القاصر إذا غُصب، فيضمن غاصبه أجرته عن مدة الغصب استثناء من القواعد العامة في المذهب في ذلك، لضعف القاصر عن الدفاع عن نفسه.
أما جمهور الفقهاء، فيعدون المنافع أموالا بالجملة، ولهذا قرروا وجوب الأجرة على غاصب العقار لتفويته المنفعة على المغصوب منه، على خلاف الحنفية، ومقتضى ذلك يرشح
(1) مصطلح زكاة- فقرة 131.