متصلًا مسندًا) [1] .
وحاول الحافظ ابن عبد البر أن يدافع عن هذا الحديث ويجعله حسنًا [2] ، وهذا ما يفهم أيضًا من صنيع أبي داود حيث ترجم له: باب إقطاع الأرضين، ثم روى بسنده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد أن"رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث ...."وهو مرسل، وهكذا رواه مالك في الموطأ مرسلًا، ثم رواه بسند متصل، وقال أبو داود:"وحدثنا غير واحد عن حسين بن محمد، أخبرنا أبو أويس، حدثني كثير بن عبد الله عن أبيه، عن جده"أن النبي أقطع بلال بن الحارث ..." [3] ."
والظاهر أن الحديث بمجموع طرقه ثابت في إقطاعه لبلال، ولكن لا في أخذ الزكاة من المعادن وهذا ما قاله الإمام الشافعي حيث قال:"ليس هذا الحديث مما يثبته أهل الحديث رواية، ولو أثبتوه لم تكن فيه رواية على النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ بإقطاعه" [4] .
واستدلوا كذلك بأن المعادن من الذهب والفضة ونحوهما هي في جوف الأرض أقدم من ملك المالكين لها، فلم يجعل ذلك ملكا لهم بملك الأرض، إذ هو ظاهر قول الله تعالى: (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [5] لذلك فكل ما في جوف الأرض فيء لجميع المسلمين، فيكون بمنزلة ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب [6] ، لقوله تعالى: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) [7] . ومن جانب آخر فإن المعادن تتعلق بها مصالح الأمة فلا يجوز أن يتملكها الأفراد.
الرأي الثاني: هو أن المعادن تبع للأرض التي هي فيها، فإن كانت الأرض مملوكة ملكية وخاصة فوجد فيها المعدن فهو لصاحب الأرض وإن لم تكن مملوكة لأحد فيكون أمرها إلى الإمام يتصرف فيها حسب مصالح الأمة، وهذا هو رأي المالكية في قولهم الثاني [8] . وهو رواية سحنون عن مالك فعلى ضوء ذلك أن مالك الأرض يملك معدنها، ولكن لا يملك المعادن التي توجد في أرض مباحة (أي أراضي الدولة) .
(1) الاستذكار ط. مؤسسة الرسالة 9/ 55.
(2) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر ط. مجموعة التحف النفائس الدولية بالرياض 1416 هـ 70/ 55.
(3) سنن أبي داود ط. حمص 3/ 443 - 446.
(4) الأم 2/ 43 ط. دار الصرفة، وقال البيهقي 4/ 152: هو كما قال الشافعي في رواية مالك.
(5) سورة الأعراف الآية 128.
(6) المقدمات لابن رشد ط. السعادة 1/ 224 - 226.
(7) سورة الحشر الآية 6.
(8) المقدمات لابن رشد 225 وحاشية الدسوقي 1/ 487.